من أنت يا ترى؟
25 مايو, 2026حلم نزيف
سلمان عارفي الندوي
أنا حلم جريح… متلطخ بالدماء… محشو بالألم والكآبة… فقد ولدت وسط آفات الحرب وويلاتها… ونشأت بين آهات وصيحات وعويلات… أشم رائحة الجروح التي لا تندمل، والدماء التي لا تجف… أتنفس في جو مختنق محفوف بدخان القنابل والنيران… أسمع أصواتا قاتلة للانفجارات… تتبعها صرخات مفزعة للنساء والأطفال… أشاهد عن كثب أفظع مناظر القتل والدمار.
نعم أنا حلم ولكن أحاديثي ليست حالمة…. فلست أنا حلمَ نائم مغمى عليه…. بل أنا حلم متيقظ يتدفق في قلب نابض بالحيوية…. ألا وهو قلب طفل فلسطيني…. ذلك الطفل الذي تراه بمظهره بائسًا شقياً مخذولاً… والذي لا يُعرف اسمه… وهو لا يريد أن يكشفه… لأن العالم قد تعود على تجاهل هويته ومعاناته منذ أكثر من سبعين عاماًَ… فأنا أطل من ذلك القلب الجريء الباسل… حائرًا مهمومًا… على هذه الإبادة الوحشية للأبرياء… فكم من أحلام ناعمة داسها شياطين الإنس بأرجلهم…. في ظلام هذه الأنقاض…. ودفنوا معها الأمنيات الحانية التي فتحت عيونها في أمل صبح مشرق وحياة سعيدة… يا للأسى الذي لا يفوقه أسى… لم يطل عمر هذه الأحلام…. ولم تتجاوز سوى بضعة أيام أو أشهر أو سنين… وهي – في هذا العمر القصير – لم تجد الحياة إلا بأبشع صورها…. وماتت من دون أن تكبر وتفهم معنى الوجود… أو تعانق روعة الحياة.
وا أسفاه ! لم أعد لهذا الطفل البائس حلمًا سعيدًا منعّمًا، فقد أتيت إليه دائما بشكل مفزع… يملأ دنياه الصغيرة بآلاف من الخوف والألم… حتى هو أصبح يخاف من الأحلام… وهو لا يحلم إلا حياة تبشر بالأمن والسعادة وتنعم بالصحة والعافية… يحلم أنه عندما يستيقظ صباحًا يرحبه هواء صاف نقي تطيب له أنفاسه… بدلاً من أن يخنقه جو مكفهر بسموم القنابل… يحلم أن يسمع تغاريد البلابل والطيور… بدلاً من أن تهزه أصوات مخيفة للصواريخ… يحلم أن يرى حوله وجوهًا ضاحكة مستبشرة تغمرها البهجة والطمأنية… بدلاً من أن يرى وجوها يملأها الخوف واليأس والشقاء… يحلم أن يتردد سعيدًا في طريق المدرسة مودعًا أهله بالسلام… لينشط في بناء مستقبله الزاهر… يحلم أن يلعب في أحضان القدس، ويجري في فناءها الواسع، ويقفز بين أشجار الزيتون ويمرح على شواطئ البحر الأبيض برفقة الأصدقاء… وهو حقًا يحلم حرية يقطع في ظلها الآمن مساحات الأرض وآفاق السماء… ولكن… هي أحلام ربما لا تتحقق… وهو الآن لا يحلم إلا سقفًا يستره وغذاء يسد رمقه… هل هو يحلم ما لا يسع أن يحقق هذا العالم الرحب الفسيح…؟
لا أكاد أدري ما الفرق بين العلم والجهل في هذا العالم المتمدن المثقف؟؟…. حيث هما يصطفان في مستنقع واحد… فالجهل بطبعه يركن إلى العنف والهمجية لسفاهته العمياء…. ولكن العلم… كيف ضل طريقه إلى الغباوة….؟ وهو مصدر الأمن والسلام، وموجب الحرية والسعادة… !! آه لقد أثبت الجهل بأنه أقوى من العلم رغم منجزاته وعطاءاته الهائلة التي تمتد على قرون… هل غلب الأول؛ الآخر بجميع مساويه من الحقد والنفور والطمع والأنانية….؟ أم عاد الجهل متوجًا بعبارات منمقة جديدة لتبرر “الجاهلية المثقفة”…؟
“لا أشكو مولدي في هذه الأرض الجريحة فلسطين… فهي عزيزة علي ولو ضيقت لي حدودها… فقد خصها الله برحمته الواسعة، وهي مهبط الأنبياء ومضجع الشهداء، أفديها نفسي وروحي، وسيبقى إيماني بحرمتها وقداستها للأبد، ولا أشكو – كذلك – ممن خذلني في هذا الحصار الضيق، فأولئك الذين يحق عليهم قول الله عز وجل “لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” (الأعراف: 179)، بل إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فهو نعم المولى ونعم النصير”.

