العام الجديد ونحن
21 يوليو, 2025مركز الإشعاع العالمي الخالد
العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي
قضى الله أن لا يخلو “الحج” في أشد أيام هذه الأمة وأحلكها من الربانيين المخلصين، ومن الصالحين المقبولين، ومن الدعاة المرشدين، ومن الداعين المبتهلين، ومن الخاشعين المنيبين، ومن العلماء الراسخين، الذين يملأون الجو روحانية وخشوعًا فترق القلوب القاسية، وتخشع النفوس العاصية، وتفيض العيون الجامدة، وتلتهب المجامر الخامدة، وتنزل رحمة الله، وتغشى السكينة، ويخزي الشيطان، ولذلك جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولاأغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا بما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام” ويتكهرب الجو فيشحن المسلمون ـ الذين جاؤوا من كل صوب بعيد وفج عميق ـ “بطارية” قلوبهم الفارغة، ويأخذون زادًا من إيمان وحب وحماسة، وعلم وفقه، يعيشون عليه في حياتهم الباقية، ويقاومون به كل ما يواجهونه من إغراء وتسويل، وتخويف وتزيين، ويشركون في هذا الزاد إخوانهم المسلمين الذين قعد بهم الفقر أو الضعف، أو المرض أو العدو، وهكذا يجري هذا التيار الكهربائي الإيماني في جسم هذه الأمة المنتشرة في الآفاق، فيتعلم الجاهل، ويقوي الضعيف، ويتحمس الخامد، وتكتسب الأمة بذلك قوة جديدة، على تأدية رسالتها، وتستأنف كفاحها من جديد.
ليشهدوا منافع لهم:
وشرع الحج لجميع هذه الفوائد والمنافع التي نعلم منها الكثير، ونجهل منها الكثير، وربما كان ما نجهله أكثر مما نعرفه، ومما نوه به حكماء الإسلام، وأشادوا به في مؤلفاتهم، فقد قال الله تعالى: ليشهدوا منافع لهم فأطلق المنافع، ونكرها وأبهمها، ودل هذا التعبير البليغ على كثرتها وتنوعها وتجددها، في كل زمان، وأنها أكثر من أن يأتي عليها الإحصاء والاستقصاء.
ولما كان الحج عرضة سنوية للملة، يلتقي فيها المسلمون على صعيد واحد من العقيدة والعاطفة والغاية، في جو ديني رباني، وفي محيط روحي إيماني، يستمدون منه قوة جديدة وروحًا جديدة، ويُصححون ما وقع في عقيدتهم من انحراف، وفي عاداتهم وشعاراتهم من فساد، وما اعتراهم من زيغ أو وهن بتأثير الحضارات والفلسفات العجمية الأجنبية، وتقليد الشعوب والأمم التي تجاورهم، أو يعيشون فيها، ويستطيعون أن يردوا كل شيء إلى أصله، وأن يستقوا الدين من منابعه الصافية الأصيلة، وجب بحكم العقل والمنطق، وبحكم روح الإسلام وحكمة الحج، وأن يظل البلد الأمين الذي يقع فيه الحج، ويدور حوله، أمينًا للحياة الإسلامية الصافية الأصيلة، يصور الحياة الإسلامية بجميع جوانبها ومزاياها ومظاهرها، حتى يلمسها ويتذوقها كل وارد إليه مهما قصرت إقامته وقلت معرفته، ولأن الله قد قضى أن يكون هذا البلد مركز الحج إلى آخر الزمان، ومثابة للمسلمين من جميع أنحاء العالم في كل سنة، يفدون إليه، وهم مؤمنون بحق بأنهم يقصدون بلدًا هو معدن الطهر، ومولد الدين، وعاصمة الإسلام الروحية، وكل ما يشاهد ويسمع في جوانبه، هو حجة للمسلم الغريب الذي يعيش بعيدًا عن مهد الإسلام، وليس بعد عمل أهل مكة والمدينة حجة عند عامة المسلمين”وما وراء عبادان قرية”.
وهذه الطبيعة البشرية التي لا نستطيع أن نتغلب عليها بمنطق أو دليل، أو خطابة أو بلاغة، وهو الاحتجاج بعمل أهل المركز زعيم لدين أو حضارة، وهو العرف الذي جرى في مجال اللغة والآداب، والحضارة والفقه، فكانت لغة قريش ثم لغة البادية العربية، هي الحجة في اللغة العربية، ومناهج كلامها ولهجاتها، وكان عمل أهل المدينة حجة في مذهب كبير من المذاهب الفقهية الإسلامية، وظل عمل أهل قرطبة حجة عند كثير من فقهاء المغرب عندما كانت في أوجها العلمي الثقافي، وكانت مجمع العلماء والقضاة، وتحج الناس قديمًا وحديثًا بعادات عاصمة البلاد ومركزها الحضاري، وتنافس الناس في تقليدها، ورأوا فيها المثل الكامل، والقدوة في الحضارة والأناقة والظرف، ودعاة الإسلام وزعماء الإصلاح يلقون صعوبة ومحنة، إذا احتج الحجاج بما قد يشاهدونه ويسمعونه في مركز الإسلام ومهبط الوحي، مما لا يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية أو آدابها، ويصعب إزالتهم عن ذلك.
يجب أن يبقى البلد الأمين محتفظًا بطراز خاص، والحج بروح الجهاد والتقشف:
وجانب أدق من هذا، وهو أن يبقى هذا البلد الأمين ـ على مر العصور والأجيال، ورغم تطورات المدنية ومرافق الحياة في العالم ـ محافظًا على شيء من البساطة والطبيعة، وعلى شيء من التقشف، ويتذكر فيه الوافدون من أنحاء العالم، الجو الذي كان المسلمون الأولون يقضون فيه مناسكهم، ويشعرون بشعورهم، أو قريب من شعورهم، ويشعرون بانتقال من عالم إلى عالم، ومن جو إلى جو، ومن حياة إلى حياة، فإن هذا الشعور يحدث في النفوس تخليًا عن الماضي، واستعدادًا لتلقى شيء جديد، وفرحة روحية لا يشعرون بها في مكانهم، أما إذا بقي البيت وحده، والحرم وحده على قدمهما، وتغير كل شيء حولهما، وأصبح البلد الأمين وما جاوره من البقاع قطعة من أوروبا أو أمريكا، وحلت المدنية الغربية بخيراتها وشرورها، وبأصولها وفضولها، وأصبح الحاج الذي وصفه لسان الشرع” بالشعث التفل” يتقلب في أعطاف المدنية والنعومة، وينتقل من راحة إلى راحة، ومن تنعم إلى تنعم، ومن حديث إلى حديث، فإنه لا يشعر بشيء جديد قوي يحدث في مشاهره انقلابًا، ويشحمه شحنًا روحيًا.
ولذلك اعتبر الحج صنو الجهاد، وقد روى البخاري عن عائشة مرفوعًا: “أفضل الجهاد وأجمله حج مبرور” وعنها قالت: “قلت يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أ فلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور”، وكان عمر رضي الله عنه يقول: “شدوا الرحال في الحج، فإنه أحد الجهادين” وإذا تطورت مكة تطورًا جذريًا، واقتبست من الحضارة الغربية جميع مرافقها ووسائلها، وتوفرت للحج جميع أسباب الراحة والتنعم التي لا توجد إلا في العواصم الغربية الكبرى، شعر الحجاج بشيء من الفراغ الروحي، وبشيء من الجفاف، وبانحطاط ملموس في فوائد الحج، وآثاره في النفس والحياة.
* * *

