مصير العالم في خطر
21 أبريل, 2026العمل بالحبّ والشغف
21 أبريل, 2026ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (3)
فضيلة الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي
الأساس الأول لندوة العلماء: التفقّه في الدين:
أذكر هنا أصلين كبيرين من الأصول التي نصّ عليها القرآن الكريم، وهما في الحقيقة الأساس الذي تقوم عليه رسالة ندوة العلماء: التفقّه في الدين وإنذار القوم.
وقد امتازت ندوة العلماء بالعناية بهذين الأصلين بصفة خاصة، ولا سيما بمبدأ إنذار القوم، ذلك أنّه وإن وُجدت في ذلك العصر مؤسسات علمية كثيرة كانت تهتم بالتفقّه في الدين، إلا أنّها لم تهنض بمهمة إنذار القوم على الصورة التي اختارتها ندوة العلماء، إذ وضعت له منهجًا متكاملاً، ورسمت له سبلا واضحة، واتخذت له تدابير حكيمة، واختارت من الوسائل ما كانت تقتضيه حاجة الإنسانية بعامة، وحاجة هذا البلد الذي نعيش فيه بخاصة، وكان ذلك من أبرز ما تميزت به ندوة العلماء، ومن أهم خصائصها الفكرية والدعوية.
والتفقّه في الدين ليس قضية يسيرة أو أمرًا هيّنًا، بل هو من أدقّ مسائل العلم وأعظمها شأنًا، غير أنّ الخطأ قد يقع فيه أحيانًا، حين يُساء فهم معناه، فكثير من الناس يقولون إن من خصائص ندوة العلماء سعة الفكر، غير أنّهم قد يفسّرون هذه السعة تفسيرًا خاطئًا، إن سعة الفكر لا تعني بحالٍ من الأحوال التنازل عن الإيمان، ولا التفريط في العقيدة، ولا التهاون في الأصول والثوابت، كما لا تعني اتباع مسالك الانحراف والزيغ والضلال، أو المساومة على مبادئ الدين، كلا، فإن هذا الفهم باطل لا يمت إلى المنهج الصحيح بصلة.
وإنما سعة الفكر تعني: فهم اختلافات أهل الحق في إطارها الصحيح، واستيعابها بروح من الإنصاف، دون أن تتحول إلى سبب للنزاع والفرقة، والمذاهب الفقهية في حقيقتها إنما وُضعت للاجتهاد والترجيح، لا لتكون محورًا للدعوة والتعصب، فالناس في الأمة الإسلامية بين شافعي وحنفي وأهل حديث، وكلٌّ يسير على منهج معتبر من مناهج الاجتهاد، وهذا التنوع في حقيقته سعة ورحمة، لقد أثبتت التجارب أن تحويل المذاهب إلى محورٍ للدعوة يؤدي إلى التفرق والتجزئة، ويُفضي إلى انحراف عن المنهج الإسلامي الشامل الذي يقوم على الوحدة والاعتدال، وكم جرّ هذا المنهج من ويلات على الأمة، حين انشغلت بصراعات داخلية، وأهملت رسالتها الكبرى في هداية الإنسانية.
جاءت ندوة العلماء بمنهج معتدل، يقوم على رفع مستوى الفكر، وتوسيع الأفق، وتحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، فهي لا تدعو إلى إلغاء المذاهب، ولا إلى محاربتها، بل إلى وضعها في موضعها الصحيح، وفهمها في إطارها العلمي، دون تعصب أو تضييق.
منهج ندوة العلماء في الأخذ بالوسائل المعاصرة وفهم التفقّه في الدين:
ومن الأسس المهمة في منهج ندوة العلماء أنها ترى ضرورة الأخذ بالوسائل الحديثة التي ظهرت في هذا العصر، سواء كانت من وسائل الإعلام، أو من وسائل الدعوة، أو من الأدوات التي تُستعمل في نشر الدين وإبلاغ رسالته إلى الناس، غير أن ذلك مشروط بأن تكون هذه الوسائل خالية من كل ما هو محرَّم أو مكروه شرعًا.
ومع هذا الشرط فإن التضييق في هذا الباب والتشدد فيه ليس من الحكمة في شيء؛ ولذلك لا ترى ندوة العلماء هذه النظرة الضيقة صوابًا، بل تحرص على أن يكون في هذا المجال قدرٌ من السعة والمرونة، ولهذا قيل في وصف منهجها: “إن منهج ندوة العلماء يقوم على التصلّب في العقائد والأصول، والتوسّع في الفروع والوسائل”.
ولم تتخذ ندوة العلماء في باب التفقّه في الدين مذهبًا يخرج عن روح الإسلام أو ينحرف عن أصوله، فالدين الحق هو ما ثبت في الكتاب والسنة، وما فهمه الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ثم تلقاه عنهم سلف الأمة الصالح، فبيّنوه وقرَّرُوه وأحسنوا عرضه للأجيال اللاحقة، فقد ظهر في كل قرن علماء راسخون ومجددون أحسنوا تمثيل الدين والدعوة إليه، وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة في الحديث الشريف: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» ( رواه البيهقي).
ومن هنا يتبين أن عمل الدعوة والإصلاح لم ينقطع في يوم من الأيام، ولن ينقطع إلى قيام الساعة، فقد ظلت الأمة – عبر تاريخها الطويل– تشهد ظهور العلماء والمصلحين الذين يجددون أمر الدين ويبينون حقائقه للناس.
أما الذين يزعمون أن قرونًا طويلة مرت دون أن يفهم الناس الدين فهمًا صحيحًا، وأن بعض حقائق الدين لم تُفهم إلا بعد قرون متأخرة، فهؤلاء قد انحرفوا عن الصواب، وجهلوا حقائق هذا الدين وتاريخه، وذلك لأنهم لم يعطوا الحديث النبوي والسنة المطهرة حقهما من العناية والاهتمام، ولم يحاولوا فهم النصوص الشرعية فهمًا عميقًا على ضوء ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يُعلم أن من القواعد الثابتة في هذا الباب أن من أعرض عن السنة النبوية واكتفى بالقرآن وحده ضلّ عن الطريق؛ وقد أشار القرآن الكريم نفسه إلى أن الهداية والضلال قد يقعان بسبب سوء الفهم للنصوص، فقال تعالى: “يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا”(البقرة: 26)
فإذا لم يُفهم القرآن فهمًا صحيحًا في ضوء السنة النبوية، فقد يقع الإنسان في الضلال، أما إذا فُهم على هدي الكتاب والسنة معًا، فإنه يكون كتاب هداية ونور يقود الإنسان إلى الصراط المستقيم.
إن من المؤسف أن كثيرًا من شبابنا قد يقعون في طرق خاطئة، والسبب في ذلك أن عقولهم لم تنضج بعد، وإن بلغوا من العمر خمسًا وعشرين سنة، وتخرّجوا من المعاهد والمدارس، فهؤلاء لا يدركون ما يترتب على المسلك الذي يسلكونه من أضرار جسيمة تلحق بالأمة، بل أقول بصراحة: إنهم لا يدركون حتى ما قد يسببه ذلك من ضرر للدين نفسه، فإنهم حين يخطئون في عرض الدين وتمثيله، فإنهم يقدمون للناس صورة مشوهة عنه، فينظر الناس إليهم ويظنون أن هذا هو الدين، فيفهمونه فهمًا خاطئًا، ويُفتح بذلك بابٌ من أبواب الانحراف، ولهذا كان من الضروري أن نثبت على منهج الدين الكامل، وأن نسير على الطريق الذي سلكه أهل السنة والجماعة، فإنهم قد بيّنوا لنا الصراط المستقيم، ووضعوا لنا معالم الطريق، فلا نجاة لنا إلا بالسير على هذا المنهج والتمسك به، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأصل العظيم في قوله تعالى: “وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا” (النساء: 115)
ومن هنا يتبين أن اتباع سبيل المؤمنين، والتمسك بمنهج السلف الصالح، هو الضمان الحقيقي لصحة الفهم وسلامة الطريق، وهو الذي يحفظ الأمة من الانحراف، ويحفظ الدين من التحريف وسوء الفهم.

