مصير العالم في خطر

ساعة مع عالم الكتب
8 مارس, 2026
ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (3)
21 أبريل, 2026
ساعة مع عالم الكتب
8 مارس, 2026
ندوة العلماء: دعوتها ورسالتها (3)
21 أبريل, 2026

مصير العالم في خطر

محمد واضح رشيد الحسني الندوي
إن نظرة عابرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية في العالم كله، توصل إلى أن العالم كله فقد التوازن في كل ميدان من ميادين الحياة، فقد كان شعار الحضارة المعاصرة التسامح والتعاون الذي هو أساس الحضارة أو المدينة، وإن أساس المدينة هو التسامح في المعاملات والأخلاق لأن المدينة تشتمل على عناصر مختلفة من السكان، ومستويات مختلفة في الحياة؛ باعتبار الكسب، وباعتبار الصلاحيات والكفاءات، وكذلك باختلاف طبائع الناس، أما القرى فلا توجد فيها هذه الخلافات، فإذا أصر أحد أو فئة من الناس على أن يفرض على الآخر ما يحبه وما لا يحبه، وما يرغب فيه وما لا يرغب فيه، وقع صراع في السكان ليس في المدينة، بل في محلة واحدة.
وقد اختار المفكرون الغربيون على أساس هذه الخلافات في طبائع الناس ورغباتهم وطموحهم، الحرية وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وبهذا التصور للحياة توجد في المدينة حركة مستمرة وتقدُّم لاشتراك عناصر مختلفة في عملية البناء والتقدم.
فكانت الحرية وعدم التدخل أساس الحضارة المعاصرة حتى في العقيدة في ميثاق حقوق الإنسان الذي اتخذ بعد انتهاء الحروب بين الدول الأوربية التي انتهت بإلقاء قنبلة ذرية على ناجاساكي وهيروشيما وأدت إلى مقتل مئات الآلاف من الناس في دقائق، ولا تزال آثار هذه القنبلة السيئة تؤثر على المنطقة.
ومن طبيعة الإنسان الفكر والتأمل في نتائج أعماله، فاتخذت هيئة الأمم المتحدة هذا الميثاق لمنع حدوث أسباب الصراع والتدمير، فاشتمل الميثاق على حرية العقيدة.
وقد كانت أوربا في عصر النهضة اتخذت موقف الحياد في مسألة العقيدة بعد أن جربت سلوك رجال الكنيسة ألف سنة في مسألة العقيدة، فاتخذت موقف الحياد في مسألة العقيدة وأتباعها باعتبار العقيدة مسألة شخصية، مثل الأخلاق والسلوك، فالإنسان في كلا المجالين حر، لا يتدخل أحد في هذين الصنفين.
وسارت أوربا كلها على هذين الموقفين عدم التدخل في الأخلاق وقيم الحياة ومنهج الحياة، وعدم التدخل في العقيدة والعبادة والسلوك.
وكان هذا التسامح أساس الحضارة المعاصرة، فاستتب الأمن في بلدان العالم لأتباع أديانها وثقافاتها باعتبار عقائدها وسيرها للحياة وبذلك لم يقع بعد انتهاء الحروب صدام بين أتباع مختلف الأديان والثقافات واللغات والمستويات والإمكانات الاقتصادية والطبيعية.
ولمنع أسباب الصراع بين مختلف الشعوب أو مختلف الأمم ولعدم تدخل فريق في شؤون الآخرين، وحماية الحريات قامت الأمم المتحدة، وقد كانت بعض المناطق في العالم تمارس التمييز العنصري أو التفرقة العنصرية كجنوب أفريقيا، فاتخذت الأمم المتحدة مواقف صارمة ضد هذا التمييز العنصري، حتى تحررت هذه المناطق من هذا التمييز العنصري، وكذلك وقع في الجزائر حيث مارس الاستعمار الفرنسي التمييز العنصري وكبت الحريات.
كانت أمريكا أكثر حرية في دول العالم وتسامحا في مجال العقيدة ومنهج الحياة، وكانت فيها توجد قوانين شديدة لضمان حقوق الأقليات، وكان اليهود والمسلمون من الأقليات يتمتعون بحرية كاملة في اتباع دينهم وثقافتهم، وكان الناس يتوجهون إلى أمريكا وإلى بلدان العالم الأخرى بحثاً عن الأمن والسلام، وكانت أمريكا ترفع شعار إغاثة المنكوبين، كما يشير إلى ذلك تمثال الحرية الشامخ في نيويورك الذي يحمل شعلة الحرية، ويهتف بالناس بهذه الأبيات التي قالتها الشاعرة الأمريكية “إيما لازاروس”.
“أعطوني المرهقين منكم، والبؤساء وجميع الأكداس البشرية التي تهفو إلى نسيم الحرية.
أولئك التعساء الذين رمتهم شواطئكم الصاخبة.
أرسلوا إليَِّ هؤلاء الذين لا مأوى لهم.
الذين طوَّحت بهم العاصفة.
فإنني أرفع لهم شعلتي عند الباب الذهبي”.
وكان لأمريكا تأثير في بلدان العالم الأخرى حيث ينظر إلى المسلمين وخاصة الشباب منهم بعين الشك والريبة، ويواجه الشباب لمجرد الشبهة مشاكل وأحياناً يزج بهم السجون.
وبسبب توافر الحريات المدنية والتسامح كان يتوجه أصحاب الكفاءات العلمية والأدبية والفنية والفكرية إلى أوربا، وقامت في أوربا مراكز تعاونية ودينية للمساواة بين الأغلبية والأقلية، وقامت فيها مدارس ومراكز إسلامية كذلك، وبذلك يتصاعد عدد المسلمين وفيهم قادة الفكر والدعوة الإسلامية، كما كانت لندن في أوربا وخاصة سويسرا مكان الإقامة والسرية فكان الناس يودعون ثرواتهم في الدول الأوربية وكان منهم الأثرياء العرب وغيرهم.
وقد كانت مشاهد التنوع للإقامة في الدول الأوربية باختلاف أديان السكان وكانت الدول الأوربية ملجأ وملاذاً للكثير من الذين كانوا في خطر في أوطانهم.
إن هذه الطبيعة للحرية والتسامح لم تعد تجدي، بل تزول، وتبدو من تصريحات بعض الزعماء أنها ستزول كلياً وخاصة للمسلمين الذين أصبحوا هدفاً بادعاء بعض الزعماء أنهم خطر للأمن، وتتخذ إجراءات ضد المسلمين بحجة الإرهاب، وتنسب إليهم حوادث العنف، وتعمل جمعيات مسعورة لتعميم هذا الادعاء، ومما زاد هذا الاتجاه السلبي موقف الأمم المتحدة المحايد وعدم تدخلها في تسوية النزاعات ومنع حدوث عمليات التدخل في الشؤون الداخلية حتى جمعية حقوق الإنسان لم يعد لها نفوذ إلا إصدار تقرير خرق حقوق الإنسان، وهذا التقرير لا يؤثر ولا يحرك ساكناً لعدم صلاحية الأمم المتحدة لاتخاذ إجراء رادع.
إن هذا الاتجاه يحول العالم إلى غابة بلا نظام حيث القوي يفعل ما يشاء.
إن قوى الأمن والسلام كالأمم المتحدة ومنظمة الدول العالمية وجمعية حماية الإنسان لعدم فعاليتها لاتخاذ إجراء لردع الظلم والعدوان، مسئولة إلى حد كبير عن تعقُّد قضايا العالم التي تهدد الأمن العالمي.
لقد كانت هناك قوة، وهي قوة العالم الإسلامي التي تنسب نفسها إلى الإسلام، ومن تعاليم الإسلام منع الظالم من الظلم، والصلح بين الناس، لكنها مكبلة ومقيدة وخاضعة لأوامر من يتربص بها الدوائر وهي مسئولة عن تشتُّت شملها وتفرُّق كلمتها.