لابد من قيادة للبشرية جديدة
7 مارس, 2026من الاتكالية إلى الذاتية
د. محمد وثيق الندوي
العالم كله والعالم العربي بخاصة، يمرُّ بمرحلة خطيرة، تُهدِّد وجود بعض الدول، والدليل على ذلك ما يجري في الشرق الأوسط من الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، وما تواجهه دول الخليج من غارات جوية لمسيرات وصواريخ بالستية وقاذفات ومدمرات، وما تنتجها من تدمير للبنى التحتية، ومصافي النفط، ومراكز الغاز، ومزارع كهروضوئية شمسية، وإن استهداف المنشآت المدنية من موانئ ومطارات ومرافق خدمية، يعكس وجود أهداف إستراتيجية أعمق ضمن العقيدة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، فامتدت الغارات إلى ضرب الحكومات والمنشآت المدنية في المنطقة، مع تدرج منسق أعد إعلاميًا وتنظيميًا عبر شبكة واسعة من الخلايا والوكلاء والنظام الاستخباراتي في الشرق الأوسط.
فيتضح مما يجري في الشرق الأوسط من الحرب المباشرة، وإطلاق التهديدات بالقضاء على الوجود، أن أمريكا خدعت الدول العربية أو عجزت عن الدفاع عنها، فكانت أمريكا تهدد الأمم بالمصير المشؤم إذا لم ترضخ لأوامرها، وكان يدعي الرئيس الأمريكي أنه يستطيع أن يحارب أكثر من سبعة بلدان في آن واحد، وأن لديه قوة كافية لهذا الإجراء العسكري، ولكن يبدو أن الرئيس الأمريكي كأنه كان في حالة سكر وثقة زائدة بالنفس والعدة، اعتمادًا على قوته العسكرية المتطورة، وعدم وجود من يتحداه ويقاومه، ولكن الحرب الجارية كشفت عن عجزها وفشلها في هدفها لتغيير النظام في البلد المستهدف، وقد ظهر الوهن والاستكانة في موقف أمريكا، فتراجعت عن الدفاع عن الدول العربية التي قدمت مئات الملايين من الدولار إلى أمريكا، واشترت منها الأسلحة، ووفرت أراضيها لإنشاء القواعد العسكرية الأمريكية، وقد كشفت الحرب الجارية عن هشاشة منظومة الدفاع والرادارات والاستخبارات، فتستمر الهجمات، وتتضخُّم الخسائر في الممتلكات، والبنى التحتية، ويتعرض الاقتصاد العالمي للانهيار بسبب إغلاق مضيق هرمز أو تهديدات بتدمير السفن التجارية إذا حاولت المرور من مضيق هرمز.
ووفقًا للتقارير الإعلامية والصحفية العالمية أن هناك خطة غربية وإسرائيلية مدروسة لزعزعة الأمن في دول الخليج، وإثارة الصراع الدامي في العالم العربي والإسلامي، ونشر عدم الاستقرار فيه، وإن الدول العربية في الشرق الأوسط تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها تهديدًا وجوديًا، وإن استهداف المنطقة لا يرتبط فقط بالجغرافيا، بل بمكانتها كمركز عالمي للطاقة وعقدة لوجستية بين الشرق والغرب.
ويقول المحللون السياسيون الدوليون وخبراء الجيوسياسية: يدل كل ذلك على أن أمريكا في حالة ضعف واستكانة، وبدأت أمريكا كسيد العالم تنهار، فعلى كل من يعتمد على أمريكا أن يفكر في إعادة النظر في سياسته إزاء أمريكا، فالوضع المأسوي في المنطقة يفرض على الدول العربية إعادة صياغة السياسة من جديد، والاكتفاء بالذات في مجالات الحياة.
فمن حكمة التجربة المريرة مع الغرب، أن يعرف قادة العالم العربي والإسلامي مصادر مشاكلهم، ويتخذوا موقفًا واعيًا، يقوم على الفكر الأصيل، لا المحاكاة، والتقليد، والتبعية لمن يسبب معاناتهم.
إن المأساة الكبرى أن العرب ليست عندهم قوة عسكرية موحدة، ولا مصنوعات حربية، ومنتجات محلية، مع أنهم يملكون القدرة على ذلك، وعندهم ثروات معدنية طبيعية وآبار النفط والغاز، وممرات مائية مهمة، ومواقع استراتيحية ذات أهمية كبرى في السياسة العالمية، ولكنهم اختاروا طريق الاقتداء والخضوع لمن يتربص بهم الدوائر، ويوجههم إلى عدم الاستقاء من منابع حياتهم، ومصادر نهضتهم وقوتهم.
وفي ظل العمليات العسكرية المدمرة في المنطقة، بدأت ترتفع الأصوات لإنشاء جيش إسلامي موحد، ونظام دفاعي مشترك، كما دعا رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني إلى تحرُّك عاجل لدول مجلس التعاون الخليجي لتأسيس إطار دفاعي مشترك يعزز الأمن الجماعي ويواجه التحديات الإقليمية الراهنة.
وأشار حمد بن جاسم، في حسابه الرسمي على منصة التواصل الاجتماعي، إلى أن إنشاء حلف عسكري دفاعي خليجي قوي أصبح ضرورة ملحة على غرار الحلفات العسكرية الدولية الكبرى مثل “الناتو”، مؤكدًا أن هذه الخطوة تهدف إلى حماية مصالح دول الخليج وتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة أي تهديدات مستقبلية.
وشدد بن جاسم على أن الأزمة العسكرية الحالية يجب أن تكون فرصة لاستخلاص دروس استراتيجية، أبرزها توحيد المواقف الخليجية وتجاوز الخلافات الداخلية، بما يخدم المصالح العليا المشتركة ويعزز الاستقرار في المنطقة، كما دعا بن جاسم إلى تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول مثل تركيا وباكستان، مع التأكيد على أهمية الاعتماد على القدرات الذاتية لدول الخليج في بناء منظومة دفاعية متكاملة.
كان التضامن والوحدة سمة الأمة الإسلامية عالميًا وإقليميًا، وبهذا التضامن غلبوا على أعدائهم المتربصين، وواجهوا الحروب وبخاصة الحروب الصليبية، وقد اعترف بذلك الأعداء أن المسلمين مهما تفرقوا، إذا هجم عليهم أحد تكاتفوا وتعاضدوا، وذابت فرقتهم، فكان ذلك سر هزيمة الصليبيين في الحملات الصليبية.
ولا يتحقق هذا الهدف إلا بالذاتية، ولا يمكن العودة إلى الذاتية إلا بوسائل التعليم والتربية، وما لم تنتقل هاتان الوسيلتان إلى أيدي المخلصين للوطن العربي والإسلامي لا يتغير الوضع السائد في العالم الإسلامي كله –كما كتب الشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي في أحد مقالاته–: “ولذلك يصر العالم الغربي على أن تبقى هاتان الوسيلتان في أيدي من هو يتعاون معه، وينفذ أوامره ورغباته، ويخدم مصالحه، ولا يتحقق ذلك التغيير إلا بتربية النفوس، وإعداد ميدان له، داخليًا وشعبيًا، ويحتاج ذلك إلى صبر وحكمة، وتدبر وتضامن، واجتناب ما يفرِّق ويشتِّت شمل الأمة الإسلامية”. ويجب أن تستقل الدول العربية في تجارتها وماليتها وإنتاج أسلحتها واحتياجاتها الحياتية، كما كتب سماحة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”، فيقول:
“كذلك لابد للعالم العربي من الاستقلال في تجارته وماليته وصناعته وتعليمه لا تلبس شعوبه وجماهيره إلا ما تنبته أرضه وتنسجه يده، وتستغني عن الغرب في جميع شؤون حياتها وفي كل ما تحتاج إليه من كسوة، وطعام، وبضائع ومصنوعات، وأسلحة وجهاز حربي وآلات وماكينات وأدوية، فلا تكون كلا على الغرب وعيالا عليه في معيشتها ومتطفلة على مائدته.
إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الغرب – إذا احتاج إلى ذلك ودعت إليه الظروف وهو مدين له في ماله، عيال عليه في لباسه وبضائعه، لا يجد قلما يوقع به على ميثاق مع الغرب إلا القلم الذي صنع في الغرب، ولا يجد ما يقاتل به الغرب إلا الرصاص الذي أفرغ في الغرب، إن عارًا على الأمة العربية أن تعجز عن الانتفاع بمنابع ثروتها وقوتها، وأن يجري ماء الحياة في عروقها وشرايينها إلى أجسام غيرها، وأن يدرب جيوشها وكلاء الغرب وضباطه، ويدير بعض مصالح حكومتها رجاله، فلا بد للعالم العربي أن يقوم هو نفسه بحاجاته: تنظيم التجارة والمالية، وحركة التوريد والتصدير، والصناعة الوطنية، وتدريب الجيش وصنع الآلات والماكينات، وتربية الرجال الذين يضطلعون بجيمع مهمات الدولة ووظائف الحكومة في خبرة ومهارة فنية، وأمانة ونصيحة”.

