لابد من قيادة للبشرية جديدة

هل يعود العالم إلى عهد الظلام؟!
1 فبراير, 2026
هل يعود العالم إلى عهد الظلام؟!
1 فبراير, 2026

لابد من قيادة للبشرية جديدة

د. محمد وثيق الندوي
إن العالم الإنساني لم يعرف أبشع ولا أوقح، ولا أقذر ولا أفظع من الجرائم التي كشفتها “ملفات جيفري إبستين”، إنها فضائح حيوانية شيطانية مقززة تدعو للقرف والتقيؤ لقبحها وبشاعتها، كاغتصاب أطفال، وقطع أرجلهم بالسيف وهم أحياء، واغتصاب قاصرات، ثم شق بطونهن، وأكل لحوم البشر، لقد كشفت وثائق إبستين عن الوجه القبيح الكالح للحضارة الغربية التي فاق قادتُها ودعاتُها في قذارتهم وبشاعتهم ما اقترفه الإنسان من يوم أن ولد، والتي تدّعي قيادة الإنسان في هذا العصر عصر التحضُّر؛ فإذا بها تقوده إلى الانحلال والتفسخ، والخلاعة والمجون، والاستغلال الجنسي، والابتزاز الاقتصادي، والاعتداء والإرهاب، وإلى الجحيم…! فقد جرَّدت الأخلاقَ عن معناها، وبلغت من الجرائم أقصَاها، حتى غدت الرذائل، فضائل تُسوَّق، والانحلال معيارًا يُروج، فكأن الإنسان أصبح رقمًا في سوق الخسة والدناءة، والبشاعة والرذالة، تُدار إرادتُه بالغرائز، ويُصاد ضميرُه بالشهوات، وباكتشاف وثائق إبستين – والأسرارُ الخفية أدهى وأمرُّ–ظهر جليًّا أن نخب الغرب، وقادة التحضُّر، والدعاة إلى صيانة حقوق الإنسان، ورعاية الأطفال والنساء، أنهم حظيرة بهائم، ليست فيها مروءة، ولا قيم، ولا أخلاق، ولا حياء، مع أنهم يدعون أنهم ملاجئ سلامة ورفاهية.
وإن “ملفات إبستين” تثبت أن ما ارتكبه نخب الغرب وقادته وساسته وعلماؤه في جزيرة إبستين” نفسُ ما خُطِّطَ له في بروتوكولات حكماء صهيون، وجيفري إبستين الأمريكي اليهودي المجرم المدام بالتجارة في البشر لأغراض جنسية، هو صنيعة الصهيونية العالمية، فلو قارنَّا ما كشفته تسريبات إبستين لوجدناه صورة طبق الأصل من تعاليم العهد القديم، والتلمود، فقد رسمت البروتوكولات لليهود الطريقة التي يمزقون بها الأوطان، والقضاء على الأديان، عن طريق نشر المذاهب المختلفة، كالشيوعية والرأسمالية والإباحية والإلحاد، ودفع الناس للشهوات والانحلال، والبعد عن كل القيم الإنسانية، مستغلين ما في النفس البشرية من الضعف تجاه المال والنساء والمناصب وغير ذلك من الوسائل التي تجعل من الشعوب الأخرى أداة في يد اليهود، ينفذون بسببها ما يطلب منهم دون أن يشعروا أو بإرادتهم، وقد نفذوا طريقتهم القذرة بإسقاط الشخصيات المؤثرة في العالم بالجنس والمال للاستيلاء على العالم.
وللصهاينة خطة خطيرة هدفُها الاستيلاء على العالم أجمع ليحكمه ملك من نسل داؤد، يُعيد الملك إلى بني اسرائيل، ويخضع الشعوب كلها لليهود، ولما كان اليهود غير قادرين على الاستيلاء على العالم واستعباده ما دام هناك دين وأخلاق، فقد كان من أول أعمال الصهاينة المجرمين القضاء على الدين والأخلاق عند شعوب العالم، ومن أجل ذلك يَسْعَوْن – كما كتب صاحب كتاب “حقيقة اليهود” نقلاً عن كتاب “الخطر اليهودي” أو “بروتوكولات حكماء صهيون” لمحمد خليفة التونسي– إلى:
1. “إفساد الشعوب وتحطيم أخلاقهم بسلاح المنكرات والفواحش من خمر، وربا، وزنى، وكذب، وغش، وخديعة، وغدر، وخيانة… الخ.
2. إشعال الفتن والخلافات والاضطرابات في كل دول العالم عن طريق الجمعيات السرية والهيئات السياسية والدينية والفنية والرياضية، والمحافل الماسونية، والأندية الروتارية، وخلق المذاهب المتناقضة في الشعب الواحد…؟ هذا كله مع إبقاء الأمة اليهودية متماسكة، بعيدة عن التأثر بهذا العبث المدمر…؟!
3. إشعال نار الفتنة بين الحكومات وشعوبها، عن طريق إغراء الحكومات باضطهاد الشعوب، وإغراء الشعوب بالتمرُّد على الحكومات، ومحاولة إبقاء كل من قوة الحكومة وقوة الشعب في عداوة دائمة.
4. إغراء الملوك والحكام والرؤساء والوزراء بالاستعلاء على شعوبهم والانغماس بالفساد والعهر والرذيلة عن طريق النساء، والخمر، والقمار، والرشاوي، والمناصب، والمؤامرات، والفتن”.
وتفضح الوثائق – كما كتب الدكتور أسامة العدوي– “شبكة الابتزاز العالمية التي أُحكمت قبضتها على نخب غربية طالما تباهت بالحريات، وتزيَّنت بالشعارات، فإذا هي تُدار بالشنار، وتقع في مستنقع من العار، وقد مكثت فينا دهرًا تخطب عن الكرامة وتحثنا على الشهامة، بينما هي أسيرة نزواتها، سجينة جورها، تُدار في غرف مظلمة، وتُدبر في كواليس معتمة، ثم تأتي الحقيقة التي يضيق بها صدورهم: أن المسلمين – رغم ما نالهم من تشويه وتطويق – ما زالوا يحملون بقايا البوصلة الأخلاقية في عالمٍ تائه؛ ليس ادعاءَ عصمة، بل شهادةَ بقاء، هم التذكير الأخير بأن للإنسان معنى يتجاوز اللذة، وبأن الحرية مسؤولية، وبأن الحضارة لا تُقاس بارتفاع الأبراج، بل بصلابة القيم والمبادئ والأخلاق”.
وقد أشار إلى ذلك رئيس وزراء كندا في أهم منتدى للنخب الغربية: “إنه لم يعد بالإمكان مواصلة العيش في هذه الكذبة، وإن النظام العالمي الذي كان قائمًا بقيادة الولايات المتحدة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، قد انتهى”.
فكأن “المتحضرين” و”المتنورين” أكبر خطر على الحياة الإنسانية، وإن الذين يقودون الحضارة، ويحملون لواء العلم والتكنولوجيا المتطورة، ويملكون الأموال والثروات، ويستولون على الحكم، هم الذين يعيثون في الأرض فسادًا، ويدمرون ما يبنى على وجه الأرض، ويكتشفون وسائل جديدة ومجالات جديدة للإفساد والتخريب، ولنشر الفحشاء والمنكرات.
كلُّ من يتابع ما يجري ويقع في العالم يجد أنه نتيجة سوء تصرُّف أدعياء العلم والحضارة، والقيادة والسلطة، ويزداد بؤس الإنسان وشقاؤه، وتتصاعد مشاكله وتتفاقم، وأما المنظمات والمؤسسات التي أتت إلى حيِّز الوجود لإنقاذ الإنسان وإسعاده، عاجزة عن تأدية مسئولياتها لأنها خاضعة لسيطرة الأقوياء والمستبدين في العالم الذين يفرضون عليها إرادتهم ورغباتهم بالقوة، وغارقون في مستنقع القذارة والبشاعة والمجون والبهيمية والوحشية، ويمارسون ما تقشعر من هوله الجلود، ويشيب له الولدان، ويتندى له الجبين…..! مات الضمير، وتبلد الحس، وارتفعت المروءة، وغاب الحياء، “فإذا لم تستحي فاصنع ما شئت”، لقد فقد الإنسان بجرَّاء الحضارة الغربية، الشعورَ القلبي، والبصيرة، فهو إنسان في ظاهره، في ملبسه، ومسكنه، ونشأته، لكنه وحشيٌّ في ميوله، ووحشيٌّ في غرائزه، ووحشيٌّ في طبيعته.
إن الحضارة الغربية تعلن إفلاسها، بإهدارها للقيم والخصائص الإنسانية، والمقومات الفردية، بسبب رفضها أن يكون للدين هذه الاختصاصات وهذا السلطان، وذلك باتخاذ مناهج للحياة غير منهجه، وبارتداد أوروبا إلى المدنية الرومانية قامت الحضارة الغربية على أسس مادية خاوية من الروح والإيمان، يقول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: “انتهت سيادة الرجل الأبيض لأنه انتهى من الداخل، وفرغ من العقيدة ومن الروح ومن الأخلاق على الرغم من تقدُّمه العلمي وإنتاجه المادي”.(المستقبل لهذا الدين)
وكتب “أسوالد شبنغلر” أن الجنس البشري مقبل على الفناء في وقت قريب، وأن تدهور الحضارة الغربية سيجر معه حتمًا تدهور الحضارة الإنسانية ما لم يشهد العالم ولادة حضارة جديدة” (تدهور الحضارة الغربية).
وقد وصف الكاتب الروماني “كونستانتان جيوروجيو” الحضارة الغربية المعاصرة بأنها “الحضارة التي ولغ فيها الإنسان في الدماء، حتى غدا شيطانًا مريدًا، له وجه إنسان، ولكنه ليس إنسانًا، إنه آلة، إنه الشيطان، إنه يشبه الإنسان بكليته باستثناء الروح، لقد ولغ الآخرون جميعًا في الدم، وهم الآن كالعفاريت، إنهم ليسوا بشرًا، لم يبق بين هؤلاء رجل واحد يمكن أن يكون إنسانًا، إنها حضارة السجن الذي يقف فيه الإنسان على حدود الحياة والموت، تحيطه جدران صماء لا نهاية لها، وتغيب عنه معالم السماء والأفق البعيد، وحيث يضيع الإنسان، فلا يعرف له موضع قدم، ولا يعرف له مصيرًا، ويلتبس عليه الفهم، وتختفي معالم الأشياء، لأن صلته بالسماء قد انقطعت، وتلقيه عن الله قد أوقف، وسدت عليه كل منافذ الرؤية إلى فوق، اسمعوا شكواه، وأنصتوا إلى عذابه وهو في الغربة” (تهافت العلمانية).
ويقول سيد قطب: “لا بد من قيادة للبشرية جديدة، إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال… لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية، ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره، لأنه لم يعد يملك رصيدًا من “القيم” يسمح له بالقيادة.
لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية بقيم جديدة كاملة – بالقياس إلى ما عرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته.
والإسلام – وحده – هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج.
لقد أدت النهضة العلمية دورها، هذا الدور الذي بدأت مطالعه مع عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي، ووصلت إلى ذروتها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر… ولم تعد تملك رصيداً جديداً.
كذلك أدت “الوطنية” و”القومية” التي برزت في تلك الفترة، والتجمعات الإقليمية عامة دورها خلال هذه القرون…. ولم تعد تملك هي الأخرى رصيدًا جديدًا.
ثم فشلت الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف، ولقد جاء دور “الإسلام” ودور “الأمة” في أشد الساعات حرجًا وحيرة واضطرابًا… جاء دور الإسلام الذي لا يتنكر للإبداع المادي في الأرض، لأنه يعده من وظيفة الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض، ويعتبره –تحت شروط خاصة– عبادة الله، وتحقيقًا لغاية الوجود الإنساني”.
فالإسلام هو الذي يستطيع بنظامه المتكامل والمتوازن، وقدرته على معالجة كل مشاكل الوجود الروحي والمادي، أن يقدم الحل للمشاكل المعاصرة الناشئة بسبب الحضارة الغربية المجردة عن الدين والقيم والأخلاق، وينقذ الإنسان مما يعانيه اليوم دون أن يتخلى عن الانتصارات التكنولوجية التي أحرزها، بل يحتضنها وينميها وفق قيمه الأخلاقية الروحية التي تضمن استمرارية الحضارة وسلامة الإنسان في أعماقه، وفي مجتمعه وفي عالمه وكونه، فالإسلام هو البديل، والإسلام هو الحل، وهو دين البقاء والسعادة الدائمة، وأنه هو الدين الخالد الصالح للقيادة الرشيدة.!
* * *