مراتب الدعوة حسب مراتب الخلق
18 يناير, 2026الفراغ الأكبر والعبقري المطلوب
18 يناير, 2026عندما يُتهَم الإسلام… من المسؤول حقًّا؟
عبد الغني الندوي المظاهري (ميانمار)
كثيرًا ما نسمع في الإعلام والسياسة حديثًا متكررًا عن ربط الإسلام بالعنف، وكأن هذا الدين هو أصل كل صراع ودمار في العالم. لكن هل هذا الاتهام قائم على الحقيقة؟ أم أنه صورة مصنوعة، تُكرَّر حتى تُصدَّق؟ لفهم الأمر، لا بد أن نترك الضجيج جانبًا، ونعود إلى العقل والإنصاف.
التعميم أول أبواب الظلم: مِن أبسط قواعد العدل أن خطأ الفرد لا يُنسب إلى الجماعة. هذه القاعدة يعمل بها الناس في كل شيء، لا نحاكم شعبًا بجريمة شخص. ولا ندين أمة بذنب حاكم. ولا نجرّم دينًا بخطأ أتباعه. لكن حين يكون الفاعل مسلمًا، تُكسر القاعدة فجأة: يُتَّهَم الدين، ويُحمَّل القرآن، وتُشَوَّه أمة كاملة. وهذا ليس عدلًا، بل تعميم ظالم.
لماذا الإسلام وحده؟… السؤال الجوهري هو: لماذا يُستثنى الإسلام من قاعدة الإنصاف؟ عبر التاريخ: ارتُكبت مجازر باسم القومية. وقُتل الملايين باسم الشيوعية. ودُمِّرت دول باسم الديمقراطية. وأُبيدت شعوب بدافع الطمع الاقتصادي. ومع ذلك: لم تُوصَف هذه الأيديولوجيات بأنها إرهابية بطبيعتها. ولم يُطالَب أتباعها بالاعتذار عنها كل يوم. أما المسلم، فيُطالَب دائمًا بتبرير دينه، وكأن الاتهام ثابت، والبراءة تحتاج إلى دليل.
الإعلام حين يتحوّل من ناقل إلى قاضٍ… الإعلام الحديث لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع الرواية، ويحدّد زاوية النظر. فهو: يضخّم أخطاء المسلم، ويُهوِّن جرائم غيره، ويختار الألفاظ بعناية. نفس الفعل: إن فعله مسلم إرهاب. وإن فعله غير مسلم حادث فردي أو دفاع عن النفس. وهكذا تتكوّن صورة ذهنية: الإسلام عنف رغم أن الواقع أوسع وأعقد من هذا التبسيط المخادع. الإسلام كما هو لا كما يُقدَّم، من أراد أن يعرف الإسلام حقًا، فليعرفه من مصادره، لا من خصومه. الإسلام يقول: من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا. ويأمر بالعدل حتى مع المخالف. ويجعل الرحمة أصلًا في التعامل. نبيّ الإسلام صلى الله عليه وسلم عفا عمّن آذاه، وصبر على من شتمه، ودخل مكة منتصرًا دون انتقام. فأي دين هذا الذي يُتَّهَم بالعنف، ونبيّه كان مثالاً للحلم والعفو؟
انتشار الإسلام شهادة صامتة… لو كان الإسلام دين سيف، لما انتشر في بقاع بعيدة بلا حروب. إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية اليوم، دخلها الإسلام بالتجار لا بالجيوش. وأفريقيا الشرقية، دخلها الإسلام بالأخلاق لا بالقوة. وهذا الانتشار الهادئ دليل عملي على أن الإسلام لم يكن مشروع إبادة، بل رسالة دعوة وحياة.
العنف طبيعة بشرية لا دينية… العنف ليس صفة دين، بل نتيجة الطمع، وحب السيطرة، وغياب العدالة. حين تتوفّر القوة بلا أخلاق، يقع الظلم، أيًّا كان الدين أو الفكر. والتاريخ شاهد أن من امتلك السلاح بلا ضمير لم يحتج إلى دين ليقتل.
رسالة إلى العقلاء… لسنا نقول إن المسلمين ملائكة، ولا إنهم بلا أخطاء. لكننا نقول: لا دين يُحاسَب بأفعال المنحرفين عنه. ولا عدل مع التعميم. ولا سلام مع الكذب على الآخر.
الإسلام ليس سبب الحروب، ولا مصنع الإرهاب، ولا عدو الإنسانية. بل هو دين مسؤولية وعدل ورحمة، وإن أُسيء استخدام اسمه، فذلك ذنب البشر لا ذنب الرسالة. فليُحاسَب المجرم بجرمه، وليُترك الدين لميزان العدل.

