حقوق الإنسان: نظرة إسلامية وتحديات الواقع المعاصر

رحلة علمية إلى مدرسة ضياء العلوم برائ بريلي
30 ديسمبر, 2025
رحلة علمية إلى مدرسة ضياء العلوم برائ بريلي
30 ديسمبر, 2025

حقوق الإنسان: نظرة إسلامية وتحديات الواقع المعاصر

بقلم: منبب بن مصطفى (كيرالا)
في ظل المشاكل الكثيرة والجدل المستمر في العالم، يظل موضوع “حقوق الإنسان” هو القضية الأهم التي تشغل بال الجميع. هذه الحقوق ليست مجرد كلام في كتب أو قوانين دولية يتم تجاهلها، بل هي “أساس الحياة الكريمة” التي لا يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة بدونها.
إن الإسلام، بدعوته الشاملة، لم ينظر إلى حقوق الإنسان كشيء ثانوي أو هبة من حاكم، بل جعلها واجباً دينياً وأساساً للحياة، وقد سبق كل الدساتير والقوانين العالمية بمئات السنين. لذلك، من الضروري أن ننظر إلى هذا الموضوع من منظور إسلامي عميق، ونقارنه بما نراه اليوم في العالم.
تأسيس الدولة الإنسانية في فجر الإسلام
عندما بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كان العالم كله، وخاصة الجزيرة العربية، يعيش في ظلام الجاهلية، حيث كان القوي يسيطر على الضعيف، وكرامة الإنسان كانت مهدرة. من أبشع صور الظلم في ذلك الوقت كانت عادة “وأد البنات”، أي دفن البنت حية.
هنا، وقف النبي صلى الله عليه وسلم لِيُحدث تغييراً جذرياً. لم يُصلح شيئاً بسيطاً، بل أسس مجتمعاً جديداً يقوم على احترام الإنسان. لقد أعلن تحريم وأد البنات، وانتصر لحق المرأة في الحياة، وبدأ بذلك أكبر نهضة إنسانية عرفها التاريخ. هذا التكريم يؤكد لنا أن إعطاء كل إنسان حقه أمر ضروري لا يمكن الاستغناء عنه.
خطبة الوداع: أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان.
كثيراً ما يفتخر الغرب بوثيقة “الماغنا كارتا” في بريطانيا (عام 1215م) كأول إعلان للحقوق، لكن هذا الإعلان جاء متأخراً بقرون طويلة عن الإعلان النبوي العالمي الذي جاء في خطبة الوداع.
في ذلك اليوم العظيم، وضع النبي – صلى الله عليه وسلم – الدستور الخالد حين قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ…». لم تكن هذه الكلمات موجهة لقبيلة معينة، بل كانت إعلاناً عالمياً يحمي:
الدم: وهو حماية حق الحياة.
المال: وهو حماية حق الملكية والاقتصاد.
العرض: وهو حماية الكرامة والشرف والخصوصية.
لقد جعل الإسلام هذه الحقوق محمية بالوازع الديني والخوف من الله، وليس فقط بالخوف من القانون.
ازدواجية المعايير والانتهاكات في عصرنا
للأسف، نرى اليوم تناقضاً كبيراً ومؤلماً بين الشعارات الخلابة التي يرفعها العالم الحديث عن حقوق الإنسان، وبين الممارسات الظالمة على أرض الواقع. لقد تحولت الحقوق إلى “أداة سياسية” تستخدم للضغط على الضعفاء، بينما يتجاهل العالم جرائم الأقوياء.
ما يحدث لأطفال فلسطين هو دليل واضح على هذا الظلم، حيث يُقتلون ويُحاصرون دون أن يعرفوا لماذا، والعالم المتحضر يقف صامتاً. وفي مشهد آخر، نجد في الهند، التي تعتبر أكبر ديمقراطية في العالم، تساؤلات حول مدى تطبيق العدالة للجميع، خاصة مع توجيه اتهامات للمحكمة العليا بالتقصير في حماية حقوق بعض الأقليات. هذا يدفعنا للتساؤل: هل حقوق الإنسان هي حقوق للجميع حقاً، أم هي امتيازات تمنح وتُمنع حسب المصالح؟
أخلاق الحرب في الإسلام
لقد انفرد الإسلام بوضع “أخلاق للحروب” لم تكن معروفة من قبل. ففي الوقت الذي تدمر فيه الحروب الحديثة كل شيء، قرر الإسلام بوضوح وحزم أنه لا يجوز الاعتداء على النساء، ولا على الأطفال، ولا على الشيوخ. هذه هي “فروسية القيم” التي لا تسقط حتى في أصعب ظروف الصراع، وهي الأخلاق التي تفتقدها الحروب المعاصرة.
مسؤوليتنا اليوم، كأمة ورثت هذا المنهج العظيم، أكبر من مجرد الفخر بالماضي. الواجب يحتم علينا أن نكون النموذج الحي لتطبيق هذه الحقوق في مجتمعاتنا، وألا نَظلم أحداً، وأن نُعطي كل إنسان حقه كاملاً.
يجب أن نمتلك الوعي الكافي لفهم واقعنا الديني والسياسي والاجتماعي بدقة، وأن نعمل بناءً على هذا الفهم. إن العالم اليوم، الذي يعاني من الظلم والمشاكل، يحتاج بشدة إلى “روح الإسلام” وعدالته الشاملة ورحمته الواسعة.
فلنحمل هذه الأمانة، ولنكن دعاةً للحقوق والكرامة.