الحكيم السيد أحمد الله الندوي
11 ديسمبر, 2025كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (2)
18 يناير, 2026كيف تعلم العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله العربية؟ (1)
الأستاذ عبد اللطيف، زاهدان
لقد نشأ العلامة السيد أبو الحسن الندوي رحمه الله في الهند بعيدًا عن الممالك العربية ومراكزها العلمية، ولكنه يعتبر أديبًا مبدعًا وكاتبًا ألمعيًا مترسلاً في العربية، وقد ذاع صيته الحسن في مشارق الأرض ومغاربها، واعترف بأدبه الراقي القريب والبعيد.
وكل من قرأ مؤلفات العلامة الندوي، وتأمل في كتاباته ومقالاته ومحاضراته، واستمع إلى خطاباته باللغة العربية، وجد فيها محسنات أدبية وخصائص بارزة، وهو يكتب في أسلوب قوي رصين «لا يخذله اللسان ولا يخونه البيان ولا يتخلف عنه مدد اللغة» علي حد تعبيره رحمه الله.
فقد استولى على جوانب اللغة العربية الأدبية والبلاغية، وكانت مهارته وقريحته الأدبية تعينه وتقدمه، ومحبته للغه العربية النابعة من الإيمان كانت تدفعه إلى اعتلاء عرش هذه اللغة حيث امتزجت بلحمه ودمه.
وكانت كلماته العربية مزيجًا من الأدب والإيمان والعاطفة والفكرة، والحماس والخبرة، كأنها تخرج من نفس مضطربة تحترق ألمًا مما أصاب المسلمين، فتؤثر كلماته في القلوب، وتفتح الطريق إلى العقول والنفوس.
فيرى القارئ في ثنايا جمله وكلماته ألوانًا من الخصائص المميزة والاختيارات الفاضلة، ويرى فيها العقيدة السليمة والنابعة من القلب، والحماس للدين، ويجد فيها الحرارة الإيمانية المتدفقة، والنصيحة العامة الشاملة، واللغة الأصيلة.
ومن خصائص لغته الممتازة أنها عذبة، وألفاظها سهلة، وعباراته واضحة لا يوجد فيها تكلف وصنعة، بل يطلق عنان القلم ويكتب عما خطر بقلبه المتألم مما أصاب الدين، ومن الأحوال المتأزمة الشائكة، ويعرف الداء ويصف الدواء، ويصرح في عباراته وخطاباته بالأمراض التي أصابت الأمة الإسلامية، والانحرافات التي أصيب بها زعماء الممالك الإسلامية، والغفلة التي عمت كافة الناس إلا من رحمه الله، وكانت كلماته تنبع من أعماق القلب، تدعمها العاطفة الإيمانية الجياشة والإطلاع الواسع العميق عن تاريخ الأمة الإسلامية الماضي والحاضر، ومنحته قريحته الأدبية وإيمانه العميق توسعًا وانطلاقًا في آفاق الفكر ومكامن الداء فكانت حلوله ناجعة في تصحيح المسار.
وكانت هذه الكلمات المؤثرة القوية والأدبية خرجت من القلب فحل في القلوب، وغيرت كثيرًا من الاتجاهات، وأثرت في المجتمعات الإسلامية تأثيرًا إيجابيًا كبيرًا، فشملت كتاباته الموضوعات المختلفة السياسية والثقافية والدعوية والفكرية والاجتماعية، وكتب عن الفكر الإسلامي والأدب الإسلامي، والتراجم والدعوة والتربية والإصلاح، وقدم حلولا ناجعة فيما تهم البشرية، وما تواجهه الأمة المسلمة في مختلف البلدان.
إنه رحمه الله أحسن التعبير عن طائفة من العلماء المصلحين الذين وفقوا أيما توفيق في كتاباتهم من حيث المباني والمعاني، وكأنه يقتفي آثارهم الطيبة ويتبع مناهجهم العالية ويترسم خطاهم، فها هي عباراته تتدفق بالحياة ويكتب ويؤلف بلغة عربية نقية كأنه يودع الأوراق قطعات مشرقة من قلبه المتألم لأحوال المسلمين فيحس القارئ فيها نورًا وحرارة وغيرة على أحوال المسلمين المتأزمة.
وأشار رحمه الله في موضع إلى الكتابات المؤثرة فقال: «إن الإيمان وصفاء النفس والاشتغال بالله، والعزوف عن الشهوات يمنح صاحبه صفاء حسنا ولطافة نفس وعذوبة روح ونفوذًا إلى المعاني الدقيقة واقتدارًا على التعبير البليغ، فتأتي كتابته كأنها قطعة عن نفس صاحبها، وصورة لروحه، خفيفة على النفس، مشرقة الديباجة، لطيفة السبك بارعة في التعبير.» وكأنه يصور حالته ويوضح كيفيته حينما يكتب، فإنك تجد هذه الأوصاف تتجلى في كلماته وتعابيره وجمله.
ونظرًا إلى أنه في مراحل دراسته وبداية تعلمه إلى نهاية هذه المرحلة لم يخرج من موطنه من أجل الدراسة، فقد ترعرع وبلغ أشده واستكمل دراسته في الهند، وتطفل على مائدة علمائها الكريمة، فكيف حصلت له هذه الملكة القوية في العربية، وكيف تعلم المهارات وأتقن القواعد العربية حتي وصل إلى ما وصل إليه من المكانة المرموقة؟
إن العلامة الندوي قد أجاب عن هذا السؤال، وبين في مختلف كتاباته مراحل تعلمه الأدب العربي، والمنهج المبتكر الذي اختاره شيخه وأستاذه العلامة خليل بن محمد اليماني، وشيخه الثاني في العربية العلامة تقي الدين الهلالي المراكشي رحمهما الله.
إنه لم ينح المنحي المرسوم في بلده بل تتلمذ لدي أستاذيه اليماني والمراكشي، وارتقى مدارج العربية، وتقدم فيها تقدمًا باهرًا، وحصلت لديه بعد تجاربه العلمية آراء صائبة حول تعليم اللغة العربية، وهذه الصلة كانت نقطة انطلاق له نحو أهدافه المنشودة، واستفادته الحسنة من التراث الإسلامي المكتوب بهذه اللغة، وجعلها اللغة المفضلة التي خاطب بها الأمة المسلمة، وألف الكتب القيمة في مواضيع مختلفة، لأنه وجدها لغة حية تقدر على مواكبة العصر، وتساير كل الظروف ومختلف العصور.
يقول العلامة الندوي رحمه الله حول منهجه المتميز الذي تعلم اللغة العربية به:
” لما سافرت في سنة 1951م إلى مصر التقيت بالشيخ الكبير عبد المجيد سليم من أكبر شيوخ الأزهر، وعرضت عليه بعض الاقتراحات حول جامعة الأزهر، فقال لي: اكتب هذه الاقتراحات وسلمها إلي الشيخ محمود شلتوت الذي عين من بعد شيخًا للأزهر وقال له: إن الشيخ أبا الحسن يسلمك بعض الاقتراحات حول جامعة الأزهر كي نتشاور حولها في مجلس الشوري.
فكتبتها بالعربية وسلمتها إلى الشيخ شلتوت، فبدأ يقرؤها، فلما قرأ حصة منها ترك القراءة، وطوي الرسالة وسأل مني؛ أين تعلمت العربية ومن علمك؟ فإنه لم يكن يتوقع أن يكتب رجل هندي بهذه العربية الحسنة.
فقلت: تعلمت العربية عند أستاذي الشيخ خليل العرب وشرحت منهجه المبتكر في تعليم اللغة العربية فضرب بيده على الطاولة وقال ثلاثًا: هذه أحسن الطرق في تعليم اللغة العربية”. (مقدمة المطالعة العربية)
فنظرًا إلي هذه التجربة الفريدة فما هو هذا المنهج الحسن المبتكر الذي أعجب به الشيخ شلتوت، وعده أحسن الطرق في تعليم اللغة العربية؟.
يقول الإمام الندوي: “إن أخي العلامة الدكتور عبد العلي الندوي عهد بتدريسي اللغة العربية إلي أحد أصدقائه، وأستاذ اللغة العربية المنقطع النظير الشيخ خليل بن محمد بن حسين الأنصاري اليماني وكان بدأ تعلمي للغة العربية في أواخر عام 1924 م.
وكان له مقرر دراسي خاص اختاره باجتهاده اشتمل على بعض الكتب المصرية المقررة في مدارسها كا «الطريقة المبتكرة» (4–1)، و«مدارج القراءة» (3–1) وكتاب «كليلة ودمنة» و”مجموعة من النظم والنثر للحفظ والتسميع”، ثم بعض الكتب القديمة المهمة كـ «نهج البلاغة» و«مقامات الحريري» و«دلائل الإعجاز»، و«القصائد العشر» وقد كان الشيخ فريدًا لا يوجد له مثيل في تطعيمه للطلاب بذوقه ورأيه، فكان يملك صلاحية غريبة مدهشة في صبغ الطلاب بأفكاره وآرائه بحيث تغلغل في أحشائهم، وتمتزج بلحومهم ودمائهم”.
ويقول: “لقد شاهدت في الشيخ ملكة عجيبة في التذوق الصحيح للعربية وآدابها ولغتها ونقل هذا التذوق للطلاب”. (في مسيرة الحياة 1/78)
نرى بجنب هذا المنهج المبتكر أستاذًا ماهرًا له صلاحية عجيبة، وقدرة عالية في التدريس وتصويب مسار الطالب، وقد أثرت أحواله في المتعلم حيث بدت فيه آثار النمو وحسن تلقيه للعلم والمهارات التي يحتاج إليها.
ولاشك أن المقرر الدراسي الحسن لا يغني الطالب إذا لم يدعمه ذوق صحيح عن أستاذ مشفق يسعي في تطعيم الطلاب بذوقه الأدبي والعربي، وهذا الأستاذ الألمعي البصير بطرق تعليم العربية كان يلزمهم بالتكلم بالعربية بجانب جهوده في فهم الكتب والقواعد.
يقول السيد أبو الحسن: “وألزمنا بعد أيام الكلام بالعربية وإذا تكلمنا بالأردية غرمنا أربعة فلوس أو فلسين، وقد لزمتنا هذه الغرامة مرارا”. (نفس المصدر)
كان الشيخ اليماني في بداية أمره يكتب الدروس الأولية من الصرف علي الدفتر، وكان يلزمهم حفظها، ثم بدأ بعد أيام بكتابه المختار في المقرر الدراسي عنده «المطالعة العربية». (نفس المصدر 77) وكثيرًا ما كان يعتز الإمام الندوي بقوله عن هذا الكتاب: «قد جعل هذا الكتاب أبا الحسن علي عليًا». (مقدمة المطالعة العربية/1)
وكان التركيز عنده في الصرف والنحو على التمرين وصحة القراءة وفهم وجوه الإعراب وبيانها، كما كان التمرين على الإنشاء مقررًا أيضًا، وكان طريق التدريس اليومي أن نحضر لديه بعد إعداد الدرس إعدادًا كليًا، ثم نسمعه، وكان هذا الالتزام في كتاب «كليلة ودمنة». (نفس المصدر 1/78)
وقد ألقى الشيخ علينا الدروس الابتدائية في النحو من كتاب «الضريري» للمؤلف أبي الحسن علي الضرير، وقد استوعب هذا الكتاب جميع المسائل الضرورية في النحو التي تمس إليها الحاجة عمليًا، وهو خلو من فقه النحو أو فلسفة النحو، وقرأت بعض كتب النحو والصرف المقررة في المدارس الهندية على العم السيد عزيز الرحمن الذي كان يدرس هذا الكتاب بجد واهتمام بالغ لا تساهل عنده في ذلك ولا مسامحة، وكنت إذا جئت إلي رائي بريلي لعدة أيام أدرس عليه الكتب العربية أيضا التي كنت أقرأها على الشيخ خليل، وكان من الواجب علينا في «مجموعة من النظم والنثر» أن نحفظ النثر أيضا، ونسمعه.
ولما انتهينا من هذه الكتب الابتدائية جاء دور الكتب القديمة المهمة كـ «نهج البلاغة» و«مقامات الحريريي» و«دلائل الإعجاز» للجرجاني، و«القصائد العشر». (نفس المصدر)
لم يكن أستاذه الشيخ اليماني يكتفي بالمواد العلمية والدروس العربية بل كان له عناية تامة بتربية تلامذته الدينية، وزرع الدين في سويداء قلوبهم النقية الصافية لأنه كان يعتبر نفسه معلم الدين والعلم معًا، وهكذا يكون المعلم المثالي والأستاذ الألمعي الذي يبتغي رضوان الله تعالي، ويريد النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة لنفسه وللمتعلمين.
يقول العلامة الندوي: وبعد انتهاء كتب الأدب المتوسطة تغلب على الشيخ خليل ذوقه الديني فجعل يدرسنا بعض الأجزاء من القرآن الكريم التي تتناول بصفة خاصة موضوع التوحيد، والتي تركز بكل قوة ووضوح على هذا الموضوع، فقرأنا سورة الزمر ومابعدها من سور عديدة، مع دراسة كتاب المغازي من صحيح مسلم وكان له شغف زائد بهذا الموضوع الذي كان يلائم ذوقه، وما عدا هذين الدرسين كنا نقرأ كتب اللغة العربية والأدب العربي في النثر لأنه وسيلة طبيعية للتعبير، أكثر ملاءمة للمواضيع العلمية والفكرية، وأما النظم فنطاقه محدود بالنسبة للنثر، وقرأنا عليه في النظم «حماسة أبي تمام»، و«لامية العرب» للشنفري، وقصيدة «بانت سعاد»، و«سقط الزند» لأبي العلاء المعري، وبجانب هذه الدواوين الشعرية درسنا خلاصة لتاريخ آداب اللغة العربية.
ومن الكتب المفضلة لديه في تنمية جانب الثروة اللغوية: «نهج البلاغة» وخاصة رسائله، وكان مأخوذا بجمال أسلوب إمام العربية عبد القاهر الجرجاني، وذوقه العربي الخالص، ودقة نظره، ونفاذ بصيرته، وكان كتابه «دلائل الإعجاز» من أحب الكتب لديه، وأهمها. (شخصيات وكتب/ 82–83).

