“صحيفة المدينة “دراسة حديثية وتحقيق للدكتور هارون رشيد الصديقي (3/الأخيرة)
30 ديسمبر, 2025من هو الإرهابي؟
30 ديسمبر, 2025الشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي: حياته، أفكاره، مآثره
فضيلة الدكتور الشيخ حسن الأمراني (رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية)
كم من كتاب ألّف حول امرئ القيس، وحسان بن ثابت، وأبي تمام، والمتنبي، إن ذلك لا يكاد يُحصى، ومع ذلك فإن ما يذكر منها قليل، ذلك بأن النفوس لا ترتاح لما هو مكرر معاد، ولا لما هو مبتذل مغسول، ولكنها تتشبث بكل ما فيه طرافة، وما يزيدها علمًا ومعرفة، أو يوقظ فيها من حقائق الذوق، ودقائق الإحساس، ما يشفي أشواق الروح، أو يحرك الوجدان، أو يستفز ما استقر في العقل من أحكام.
ولذلك، فإن الكتابة في موضوع مطروق، تستمد مشروعيتها من الجديد الذي يقدمه الكاتب، إما فكرًا، وإما أسلوبًا.
أما إن كان الموضوع غير مطروق، فإن باب التجديد فيه يبدو بادي الرأي أيسر.
والشيح محمد واضح رشيد الحسني الندوي علم من أعلام العصر، ولذلك ما تزال أرض فكره وأدبه بكرًا، تنتظر الأقلام النابهة، التي تجلِّي ما فيها من أسرار.
وقد سبق للدكتور محمد أكرم الندوي أن كتب عن الشيخ واضح الندوي كتابًا وكل إليَّ كتابة تقديم له، فلبيت الدعوة للعلاقة القديمة والوثيقة التي كانت تربطني بالشيخ واضح الندوي رحمه الله تعالى، ولا سيما أثناء تلك الجلسات التي كانت تجمعنا في مجلس أمناء رابطة الأدب الإسلامي العالمية، منذ لقائنا الأول في لكناؤ بندوة العلماء، في يناير 1986م، واستمرت سنين عددًا، وفي عواصم عربية وإسلامية مختلفة، ولا سيما في المدنية المنورة على صاحبها أفصل الصلاة وأزكى التسليم.
واليوم، وقد عهد إليَّ أخي الدكتور محمد وثيق الندوي كتابة تقديم لكتابه عن الشيخ واضح الندوي، كان أول ما ثار في ذهني هو: ما الجديد الذي عسى أن يقدمه هذا الكتاب؟
وما إن شرعت في قراءته حتى أفاض عليَّ من كؤوس الأدب ما يثمل بغير تثريب، وعلمت أن جديد الكتب لا يكمن في المعاني فحسب، بل في الثياب التي تكسو تلك المعاني. وقد قال الفيلسوف الفرنسي باسكال: “الأسلوب هو الإنسان”، وقال الروائي الفرنسي أنريه موروا في روايته: (ورود سبتمبر): “ينبغي أن تعتني بالأسلوب، كما كان يفعل الخطيب الروماني شيشرون”. ومن قبلهما قال شيخ نقاد العربية، الجاحظ: (والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي، والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك).
وإن كانت هذه الأقوال تنطبق على أحد من المعاصرين، فإنها تنطبق على الدكتور محمد وثيق الندوي وكتابه هذا الذي بين أيدينا. فقد اعتاد الناس في كتابة تراجم الأعلام أن يؤطروا كلامهم بالحديث عن عصر المترجم له، وبيئته، وربما تشابه حديثهم، عندما يتعلق بأعلام من عصر واحد، فلا تجد فرقًا بين ما يقوله هذا، وما يقوله ذلك، دون أن يقدم ذلك أو يؤخر في فهم المترجم له، وتكاد شخصيته، شاعرًا كان أو فيلسوفًا أو ناقدًا، تغيب وسط ذلك الحديث العام.
أما الدكتور محمد وثيق الندوي، فهو يبهرنا عندما يعالج في الفصل الأول من الكتاب، عصر المترجم له، وبيئته، ونشأته، ويحدثنا عن الوضع السياسي في الهند، والعالم الإسلامي، ثم عن أسرة الشيخ واضح، وخصائصها، وأبرز أعلامها، ويضرب في أعماق التاريخ، وهو يتحدث عن أجداده البعيدين، حتى يصل إلى محمد النفس الزكية الشهيد، والحسن المثنى، والحسن السبط، فإذا نحن نشعر بنداوة في الأسلوب، ورونق في التعبير، بل لقد كنت أشعر بصراحة أنني أجد نفسي فيما يكتب. وقد ذكرت موقفا في جلسة جمعتني بشيخنا أبي الحسن علي الحسني الندوي، في بيته في رائي بريلي، ونحن نتحدث عن النسب الحسني، وعن الحسنيين الذين انتشروا في البلاد، فقلت له: إن بعضهم شرق وبعضهم غرب، وقد فهم إشارتي، فقد كنت أعني بمن شرق أسرته، وبمن غرب أسرتي، والشهيد محمد النفس الزكية يجمعنا في النسب.
وحين يتحدث المؤلف عن الأحداث الكبرى في التاريخ، كدور الأسلاف الحسنيين الأقطاب في نشر الدعوة الإسلامية في الهند، وكثورة السلطان تيبو ووقوفه في وجه المستعمر الإنجليزي، كان للشيخ واضح نصيب من ذلك الحديث. وهذا ما قصدته بتفرد الدكتور محمد وثيق في المنهج. فالضرب في أعماق التاريخ هو جزء من تجلية شخصية المترجم له، وحبذا لو يقتبس الباحثون من هذا المنهج الخصب.
ولعل مما ساعد المؤلف في هذه الترجمة هو معاشرته الشيخ واضحًا حوالي عشرين سنة. وهذه المدة الزمنية تذكرني بصنيع أمير البيان شكيب أرسلان، في كتابه: (شوقي، صداقة أربعين سنة). ولا شك أن من شأن هذه الصداقة الممتدة أكثر من عشرين سنة أن تجلي أمورًا لا يعرفها من لم يعرف الشيخ واضحاً إلا سماعًا أو من خلال مؤلفاته، على كثرتها. وقد نفعت هذه الصحبة الدكتور محمد وثيق الندوي كثيرًا في كتابه.
فأقبل، أيها القارئ الكريم، على هذه المائدة العلمية والأدبية مطمئنًا، والله يهدينا إلى سواء السبيل.

