الإسلام يغير اتجاه الرِّيَاحِ

أمراض المجتمع وعلاجها (17)
29 ديسمبر, 2025
“صحيفة المدينة “دراسة حديثية وتحقيق للدكتور هارون رشيد الصديقي (3/الأخيرة)
30 ديسمبر, 2025
أمراض المجتمع وعلاجها (17)
29 ديسمبر, 2025
“صحيفة المدينة “دراسة حديثية وتحقيق للدكتور هارون رشيد الصديقي (3/الأخيرة)
30 ديسمبر, 2025

الإسلام يغير اتجاه الرِّيَاحِ

محمد ناصر الندوي (الإمارات)
حينما عجز الإنسان بكلّ ما يملك من فكرٍ وتجربةٍ عن إقامة نظامٍ صالحٍ متوازنٍ يشيع فيه العدلُ والسلامُ، وحينما غلبت شهوةُ النفس، وتعاظمَ الجورُ والظلمُ، واستشرى التفاخرُ بالأنساب والألوان، وانهارت القيمُ والأخلاق، وغدا الإنسانُ عدوَّ أخيه الإنسان، هنالك أشرقت في صحراءِ العربِ شمسُ الهداية، فبدَّدت أنوارُها ظلماتِ الأرضِ، وبدَّلت وجهَ التاريخ تبديلًا.
لم تكن تلك الدعوةُ دعوةً طارئة أو إقليميةً محدودة، بل كانت نداءً ربّانيًّا مؤسَّسًا على الوحي الإلهي، هدفُه أن يربط الإنسانَ بخالقه، ويعيدَه إلى فطرته التي فطره اللهُ عليها، وأن يقدّم له منهجَ حياةٍ كاملًا متكاملًا يلبّي كلَّ حاجاتِه المادية والروحية.
جاء الإسلامُ فغيّر فكرَ الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى الناس، وبيّن أن الكرامةَ الحقيقيةَ في التقوى لا في النسبِ أو المال أو اللون. وفي مجتمعٍ كان يئد البناتِ خوفًا وعارًا، أعلن الإسلامُ أنهنّ رحمةٌ من الله، وأعطاهنّ مكانةً لم تعرفها الحضاراتُ من قبل.
أعلن الإسلامُ حريةَ الإنسان وكرامتَه، وألغى عبوديّةَ البشر للبشر، وقرّر المساواةَ بين الناس جميعًا، فصار بلالٌ الحبشيُّ في ميزان التقوى خيرًا من صناديدِ قريش. ووحّد الإسلامُ بين القبائل التي كانت تتقاتلُ لأتفهِ الأسباب، فأصبحت أمّةً واحدةً يربطها الإيمانُ، ويجمعها الإيثارُ والمحبّةُ والأخوّة الإسلامية.
أعلى الإسلامُ من شأن العلم، وجعل طلبَه فريضةً على كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ، وكانت أولى كلماتِه الخالدة: “اقرأ”. ومن هذه الكلمة قامت حضارةٌ أضاءت الدنيا علمًا وخلقا وفكرًا، فبينما كانت أوربا تغرق في ظلمات الجهل، كانت قرطبةُ وبغدادُ والقاهرةُ ونيسابورُ تعجّ بالمدارسِ والمكتباتِ والجامعات.
طهّر الإسلامُ الاقتصادَ من الربا والإستغلال، وأقامه على العدلِ والتكافلِ والزكاةِ والإنفاقِ في سبيل الله، وجعل السياسةَ أمانةً لا استبدادًا، ومسؤوليّةً لا سيادةً، والشورى أساسَ الحكمِ، والعدلَ روحَه ومِحورَه. وجعل الحربَ وسيلةً لرفع الظلمِ لا لفرضِ السيطرة، ولحمايةِ الحقّ لا للعدوان.
هكذا غيّر الإسلامُ الفردَ والمجتمعَ، وغرس فيهم الإيمانَ والأخلاقَ، وربّى القادةَ على أنهم خُدّامُ شعوبِهم لا سادةُ عليهم، وأخضع الجميعَ لحكمِ اللهِ وشريعتِه.
تبدّل وجهُ الدنيا يومَ أذّن بلالٌ، فسقطت الأصنام، ويومَ ترك صهيبٌ مالَهُ في سبيل الله، فانتصر الإيمان، ويومَ عدل عمرُ، فارتجّت عروشُ كسرى وقيصر، ويومَ رفعت خديجةُ يدَها بالمواساة، سارت الدعوةُ في ظلماتِ الوحدة، ويومَ خطبت عائشةُ بالعلمِ والعقلِ، نهضت أمّةُ الفكرِ والحكمة.
فإنْ عدنا إلى هذا الإسلامِ قلبًا وقالبًا، وأقمناه في بيوتنا وأسواقنا ومدارسنا ومجتمعاتنا، فسنغيّر وجهَ العالمِ من جديد، لأنّ الإسلامَ حقٌّ خالدٌ لا تموت دعوتُه، ولا تُطفأ شعلتُه.
تمرّ الأممُ بلحظاتٍ فاصلةٍ تُجبرها على مراجعةِ ذاتِها والتفكّرِ في مصيرِها، ونحن اليومَ في تلك اللحظةِ الحرجة؛ حيثُ تتبعثرُ هُويّتنا وتضعفُ شخصيّتنا. غير أنّ سنّةَ اللهِ ماضيةٌ: أنّ كلَّ أمّةٍ تُمنحُ فرصةً للنهوضِ من جديد، إذا وعَتْ رسالتَها وأصلحتْ شأنَها.
إننا أتباعُ أمّةٍ علّمتِ العالمَ أن الدينَ ليس طقوسًا جامدةً، بل نظامُ حياةٍ شاملٌ، فيه إصلاحُ الفردِ، وبناء المجتمعِ، وقيادةُ الإنسانيّة. وإذا عادت الأمّةُ اليومَ إلى القرآنِ والسيرةِ والمنهجِ الرباني، ستصبحُ صانعةَ التاريخِ لا شاكيةً منه.
العالمُ اليومَ يعيشُ في فوضى فكريةٍ، وأزمةٍ أخلاقيةٍ وروحيّةٍ، وهو يبحثُ عن قيادةٍ جديدةٍ، ولن يجدَها إلا في الأمّةِ التي وصفها اللهُ بقوله: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ”. تلك القيادةُ التي تحملُ نورَ الوحيِ وتترجمُ سيرةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم في الواقع.
وفي هذا المقامِ يدوّي في آفاقِ القلوبِ النداءُ القرآنيُّ الخالد:
“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ” (الأحقاف: 13)
فهي الإستقامةُ التي تفتحُ لنا أبوابَ القيادةِ والنهضةِ، وتنقلُنا من الضعفِ إلى القوّةِ، ومن اليأسِ إلى الرجاء، ومن التبعيّةِ إلى الريادة.
ينبغي أن تدركَ الأمّةُ أنَّ قوّتَها لا في السلاحِ ولا في المالِ ولا في الكثرةِ، بل في الإيمانِ والتقوى، في العلمِ والصدقِ، في الأمانةِ والإخلاصِ، في الصبرِ والثباتِ، وفي الإحساسِ بالآخرة. فإذا عادت هذه القيمُ إلى القلوبِ، عادتْ معها القيادةُ والمجدُ والمهابة.
علينا أن نحيلَ مجتمعاتِنا مراكزَ للإصلاحِ والبناء، ومدارسَنا قلاعًا للعلمِ والاجتهادِ، ومنازلَنا نماذجَ للسيرةِ النبوية، وأن نجعلَ أسواقَنا ميادينَ للأمانةِ والصدق، وسياستَنا خادمةً للناسِ لا متسلّطةً عليهم، واقتصادَنا قائمًا على العدلِ والكفايةِ، وأن نربّي أبناءَنا على الإيمانِ والفكرِ والعملِ والخلقِ كما ربّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَهُ الكرام.
فلا نحتاجُ أن نقولَ للعالمِ ما هو الإسلامُ، بل سيرى الإسلامَ في سلوكِنا وواقعِنا، فالعالمُ لا يتغيّرُ بالكلماتِ بل بالنماذجِ الحيّةِ، فإذا تحوّل الكذبُ إلى صدقٍ، والخيانةُ إلى أمانةٍ، والرياءُ إلى إخلاصٍ، والأنانيةُ إلى إيثارٍ، فسيأتي العالمُ إلينا طائعًا.
* * *