الأندلس: جرح ينزف ودرس لا ينسى

كتاب “الجامع المعين في طبقات الشيوخ المتقنين والمجيزين المسندين”
28 نوفمبر, 2023

الأندلس: جرح ينزف ودرس لا ينسى

سلمان مبشر العيني، كيرالا

إن الحديث عن الأندلس يرتمض له قلب كل قارئ تاريخه العريق، فهي ليست مجرد اسم لدولة انقرضت وأمة قد خلت، بل هي عشق في القلب يسري وجرح فيه ينزف. إن تاريخ الأندلس يعلمنا الكثير من الدروس والعبر، فالإغفال عنه إغفال عن تاريخ شمل أكثر من ثمانمائة سنة كاملة من تاريخ الإسلام وهي فترة مديدة يلزمنا قراءته والتمعن فيه والاعتبار به.

لئن درستنا الأندلس أسباب السقوط والانهيار فقد علمتنا أيضا كيف ننهض ونقاوم أسباب ضعف وتضعضع، وعلمتنا أيضا كيف نفتح قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صما وكيف ننشر السلام والأمان والاستقرار في أرض ساد فيها الجور وأكل حقوق الآخرين! إنها الأندلس التي يعرض عنها الكثير ويقبلون على حكايات سقوطها بالبكاء والأنين. نعم! إنها تبكي وتذرف دموع كل من يسمعها، كيف لا تنهمر العبرات ونحن نقرأ أن شياطين القسوة انتهكوا حقوق إخوتنا وأخواتنا بل انتقموا لهزيمتهم المريرة من المسلمين الأبرياء الذين لم يظلموا روح إنسان عند الفتح الأندلسي!

لكني قبل الحديث عن تلك الفواجع ألفت أنظاركم إلى بداية هذا التاريخ الذي بدأ بفتح الأندلس حيث عم السكون والأمان وغاب الظلم والطغيان. تقرأ في تاريخها سير أولئك الأبطال والشجعان الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى لتكون كلمة الله هي العليا وترفرف رايات السلام في تلك البقع، منهم طارق بن زياد – رحمه الله – الذي بث روح الإيمان واليقين في قلوب المجاهدين فثبتوا جاهدين أنفسهم محتسبين حتى فتح الله عليهم باب الأندلس في رمضان سنة 92 هـ وطويت بذلك صفحات الظلم والاضطهاد فيها. وكان هذا صفعة مدوية على وجه الأعداء الذين كانوا يلحقون بالشعب الأذى والجور، فتركوا عامل العداء في قلوبهم ينموا ويكبر ليستجمعوا قواهم التي انهارت وسلطتهم التي اندثرت.

ولما استقرت الأمور في الأندلس ووجد الناس عيشًا رغدًا وراحة بدأت القلوب تميل إلى حب الدنيا والغنائم التي كانت تكثر يومها، ومن ثم بدأوا ينافسون في دنياهم ويبتعدون عن أمر آخرتهم وبدأوا يظلمون الناس ويأكلون حقوق الآخرين بغير حق، وظهرت العنصرية والانقسامات القبلية جاء كل ذلك نتيجة إيمان مهترئ ضعيف! استمر الحال على هذا حتى كاد الإسلام ينتهي من الأندلس لولا أن أظهر الله معجزته بفضله ومنه، وهي ظهور الفتى الشجاع: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي – رحمهم الله – ! لم يكن عبد الرحمن قد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره إلا أنه كان ذا بصيرة وعلم وفهم وإدراك، حتى سماه أبو جعفر المنصور: صقر قريش!

إن سيرة عبد الرحمن الداخل وأمثاله من الأبطال الذين شهدت الأندلس شهامتهم وبسالتهم تلقننا دروسا في الثبات بإيمان قوي ورجاء شديد وتضرع وابتهال مع المحافظة على العبادات والأخلاق الحسنة، إذا كنا على ذلك فنصر الله قريب لا محالة. وهذا بالفعل ما يدرسنا تاريخ الأندلس بأكلمه، فالمسلمون كلما ابتعدوا عن كتاب ربهم – جل وعلا – وسنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم – وجدوا ذلا يسيطر عليهم وهوانا يقهرهم! ستجد فترات الضعف هذه في كل عهد من تاريخ الأندلس إلا أن الأمر تعاظم في الآونة الأخيرة وأورث ذلك ضياعا لا يجبر. ازدهر المسلمون في الأندلس علميا وحضاريا واقتصاديا وأنشؤوا أصنافا بديعة من الفنون المعمارية التي تبهر العقول وتذهلها، وكانت آية في الجمال والرقي لا تكاد تجد نظيرا لها، فبالرغم من كل ذلك سقطت الأندلس ووقع المسلمون في أيادي الظلمة الغاشمين! كان ذلك لشيوع الفواحش والآثام حتى سلط الله عليهم الأعداء الكفرة الفجرة، قال الله تعالى: (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا) سورة النساء.

ومن هنا كانت بداية المأساة العظمى، فتم تهجير عدد هائل إلى البلاد الأخرى وصل منهم من وصل ومات منهم من مات تحت الظروف القاسية التي كانوا يعانونها. أما البقية فقد وثق جلهم بوعود الملكين التي سرعان ما نقضوها وكشفوا عن أقنعتهم المزيفة ووضعوا محاكم التفتيش لتنصير المسلمين قسرا، فأجبروا على ملازمتهم في اجتماعهم واحتفالاتهم وعند ذهابهم إلى الكنيسة واضطروا أن يغيروا أسماءهم مع حرمانهم من وضع القرآن في البيوت والتكلم باللغة العربية والنداء بالأسماء العربية، وتعرف فداحة هذه الظروف من الفتوى التي أصدرها الفقيه أحمد بن بو جمعة المغراوي يوجهها إلى المسلمين الذين أكرهوا على التنصير فقال:

(الحمد لله والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

إخواننا القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، ممن أجزل الله ثوابهم فيما لقوا في ذاته وصبروا النفوس والأولاد في مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله من مجاورة نبيه في الفردوس الأعلى من جناته، وارثوا سبيل السلف الصالح في تحمل المشاق وإن بلغت النفوس إلى التراق، نسأل الله أن يلطف بنا وأن يعيننا وإياكم على مراعاة حقه بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً.

بعد السلام عليكم من كاتبه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد ابن بوجمعة المغراوي ثم الوهراني – كان الله للجميع بلطفه وستره – سائلاً من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار والحشر مع الذين أنعم الله عليهم من الأبرار، ومؤكداً عليكم في ملازمة دين الإسلام، آمرين به من بلغ من أولادكم. إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحي بين الموتى، فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود لايضر ولاينفع، وأن الملك ملك الله، ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، فاعبدوه واصطبروا لعبادته، فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء، لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم، والغسل من الجنابة ولو عوماً في البحور. وإن مُنعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء، وعليكم بالتيمم ولو مسحاً بالأيدي للحيطان، فإن لم يمكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء والصعيد، إلا أن يمكنكم الإشارة إليه بالأيدي والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمَّم به، فأقصدوا بالإيماء، نقله ابن ناجي في شرح الرسالة لقوله صلى الله عليه وسلم فأتوا منه ما استطعتم.

وإن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام أو حضور صلاتهم فأحرموا بالنية وانووا صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم، ومقصودكم الله. وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام، وأن أجبروكم على شرب خمر، فاشربوه لا بنية استعماله، وإن كلفوا عليكم خنزيراً فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم، ومعتقدين تحريمه، وكذا إن أكرهوكم على محرّم، وإن زوجوكم بناتهم، فجائز لكونهم أهل الكتاب، وإن أكرهوكم على إنكاح بناتكم منهم، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه، وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم، ولو وجدتم قوة لغيَّرتموه.

وكذا إن أكرهوكم على ربا أو حرام فافعلوا منكرين بقلوبكم، ثم ليس عليكم إلاّ رؤوس أموالكم، وتتصدقون بالباقي، إن تبتم لله تعالى. وإن أكرهوكم على كلمة الكفر، فإن أمكنكم التورية والإلغاز فافعلوا، وإلا فكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك، وإن قالوا اشتموا محمداً فإنهم يقولون له مُمَدْ، فاشتموا مُمَداً، ناوين أنه الشيطان، أو مُمَد اليهود فكثير بهم اسمه. وإن قالوا عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم، وانووا إسقاط مضاف أي عبد اللاه مريم معبود بحق، وإن قالوا قولوا المسيح ابن الله، فقولوها إكراها، وانووا بالإضافة للملك كبيت الله لا يلزمه أن يسكنه أو يحل به، وإن قالوا: قولوا مريم زوجة له، فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بني إسرائيل، ثم فارقها قبل البناء. قاله السهيلي في تفسير المبهم من الرجال في القرآن. أو زوجها الله منه بقضائه وقدره. وإن قالوا عيسى قد توفي بالصلب فانووا من التوفية والكمال والتشريف من هذه، وإماتته وصلبه وإنشاد ذكره، وإظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو، وما يعسر عليكم فابعثوا فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون به، وأنا أسأل الله أن يديل الكرة للإسلام حتى تعبدوا الله ظاهراً بحول الله، من غير محنة ولا وجلة، بل بصدمة الترك الكرام.

ونحن نشهد لكم بين يدي الله أنكم صدقتم الله ورضيتم به، ولابد من جوابكم والسلام عليكم جميعاً.

“يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى”)

وهذا خلاصة جانب من تاريخ الجنة المفقودة: الأندلس، فكانت عصارة وغيضا من فيض غزير حاولت أن أبلغ بها الرسالة التي يحملها ذلك التاريخ المجيد الذي كاد المسلمون ينسونها، وحتى لا تكون فلسطين دولة الكرامة والشجاعة أندلسا أخرى!! فالنصر آت بإذن الله والفرج قريب، ذلك ما علمتنا سيرتنا وفي التاريخ العبر فلنعتبر..

×