النظام العالمي كله في حالة الانهيار

دور الصحابة رضي الله عنهم في نشر الإسلام وتقديم نماذج حية لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم
17 اکتوبر, 2018
ولد الهدى فالكائنات ضياء
14 نومبر, 2018

النظام العالمي كله في حالة الانهيار

يقال عن هذا العصر إنه عصر الإعلام،ويعتبر ذلك من وسائل الحضارة المعاصرة التي تتميز عن الحضارة الغابرة، وفيها وسائل الاتصال والروابط التي أصبح بها العالم كله كمجتمع واحد،أو كما يقال في التعبير السياسي، قرية واحدة، فقد كانت الحوادث التي كانت تقع في منطقة في العالم، تخفى على سكان منطقة أخرى لعدم وجود وسائل الاتصال، وكان السفر صعباً لعدم وجود وسائل السفر، فكان سكان منطقة منقطعين عما يحدث في منطقة أخرى، فكانت الهموم والأحزان مقصورة على من تحدث في منطقتهم؛ بل في أسرتهم، فكانت الحياة في ذلك العصر حياة سعادة وسرور وطمأنينة.

إن وسائل الإعلام ووسائل الاتصال تشوش أذهان الناشئي مهما كانت طبيعته، وتجعله موضوع معرفة لما يحدث في البقاع الأخرى من حوادث تركز عليها وسائل الإعلام التي كانت في العصر الماضي محدودة وتملكها الحكومات أو المؤسسات المالية، وكانت محدودة في الوصول إلى مناطق العالم،وقد أصبح ذلك اليوم ميسوراً بوجود الجولات التي يملكها كل فرد حتى أطفال الصغار، ثم تطورت هذه الجوالات التي هي بمثابة الهاتف في الماضي، إلى جهاز ينقل الحوادث صوتاً وعيناً، ويتصرف في استخدام هذه الوسيلة لنقل الكلام والحادث مَن بِيَده هذا الجهازُ، وليست هناك وسيلة للتحقيق، فإن الملاحظ والمشاهد يتحير عندما يسمع أو ينظر إلى منظر، ثم يضطر إلى منظر آخر أو حادث معارض للآخر،فيقع في القلق والاضطراب.

إن أول تأثير لذلك هو التضارب والتعارض الذي يحير العقل ويشوش الفكر والحياة،ويؤثر ذلك على ذهن الإنسان، ويؤثر على هدوء قلبه وطمأنينته.

وبالإضافة إلى هذا الاضطراب، يؤدي ذلك إلى قلق نفسي، وقد كان الإنسان في الماضي راضياً ومطمئناً بما أتيحت له من فرص قضاء الحياة، وما كانت لديه من وسائل محدودة،فكان يعيش قانعاً مطمئن البال، راضياً بما يملكه ويقضي حياة متوسطة، لكنه اليوم يشاهد صور الحياة المادية وحياة المترفين الذين يملكون ثروات ووسائل بناء المباني الفاخرة في المجتمعات الراقية، ويزيد بذلك في نفسه طموح بل طمع وحرص يجرّه إلى استغلال كل فرصة وكل وسيلة للحصول على هذه الوسائل للرفاهية، وإذا لم يكن هناك رادع أو نظام، يؤدي ذلك إلى ارتكاب جرائم وممارسة الفساد.

وقد أصبح ذلك اليوم ظاهرة عامة في المجتمع الإنساني وهو مشاهد في كل مجتمع،وأما القلق النفسي فهو عام اليوم، ويوجد في الأطفال والكبار، وهذا القلق النفسي إذا تضاعف يؤدي إلى الانتحار،وهو عام اليوم في بعض المجتمعات وخاصة في المجتمعات الراقية، وتنقل الصحف ووسائل الإعلام كل يوم أخبار الانتحار والإصابة بمرض القلق النفسي.

ومثل ذلك تكثر حوداث الاختلاس والاستلاب والسرقات، وهي الآن تشغل الحجم الكبير في الصحف اليوم، وبجانب الانتحار تكثر أحداث القتل حتى في أسرة واحدة،لعدم وجود الرادع النفسي، وغياب تعاليم الدين وخاصة التعاليم الخلقية، ثم الرادع القانوني لتنفيذ نظام العقوبات والقضاء العاجل، فإن الحضارة الحديثة زادت كل هذه الهموم،وفقدت المثل العليا والقيم الخلقية التي تؤكد عليها تعاليم الدين، و فقد العمل بنظام تعيين الجرم ومعاقبة المجرم، وسبب هذا الوضع المأساوي هو عدم وجود طبقة داعية إلى الخير، والمصلحين الذين يميزون بين الخير والشر،وعدمُ شعور الحكومات بمسئوليتها تجاه بناء المجتمع الصالح، وتوفير الأمن والسعادة، وكبح جماح المفسدين ومعاقبة الجناة.

إن الإسلام يهتم بكلا الجانبين الرادع الخلقي والفكري ورعايته في المجتمع عن طريق الدعاة إلى الخير، والرادع القانوني لتعيين عقوبات شديدة على ارتكاب الجرائم، وفرض العقوبات على الجناة، وفي الإسلام نظام تعليم الخير وتقبيح الشر، وهذا النظام يؤمِّن حياة الإنسان، كما جاء في القرآن الكريم: ” أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” [المائدة:45]

لقد قامت الحضارة الحديثة بتقليل النظامين،ولذلك عمت المعاصي والجرائم وخاصة جريمة القتل والسلب والفتك، وهي نتيجة لأفكار ميكافيلي الذي يعتبر رائد السياسة المعاصرة التي تبعتها أوربا، وأنه جعل القوة والسلطة الغاية، وبرر كل وسيلة للوصول إليها بغض النظر عن الأخلاق والدين، واعتبر الانتهازية والاستغلال الطريق الكفيل بالنجاح في السياسة، فتحررت السياسة بدعوته عن القيم الخلقية، وأبيح كل نوع من الاستبداد والقهر والخداع في سبيلها، وتخضع السياسة العالمية المعاصرة لفكره.

وبتأثير وسائل الإعلام فقدت القيم الشرقية، وعمت وغلبت القيم الغربية التي تغلب عليها المصالح الشخصية والانتهازية،فلم يعد بذلك الغرب غرباً والشرق شرقاً،فانقلبت القيم والمعايير حتى في الشرق فلا يراعي الناس والحكام القيم الخلقية، بل يؤثر كل منهم مصلحته الشخصية مهما كان يكلف ذلك، تقليداً للحضارة الغربية والسياسة المعاصرة، ويصدق على هذا الوضع المثل العربي: اختلط الحابل بالنابل.

ومما يزيد هذا الوضع خطورة أن المسئولين عن الحكم في كل بلد يراقبون نشاطات المصلحين لهذا الوضع ويُقْصَونهم عن الحياة لمواقفهم المتعارضة للمصالح السياسية،فقد جعل هذا الوضع حياة كل إنسان في خطرأو اللجوء إلى الجريمة حتى المجتمعات الملتزمة لا تستثنى من هذا الوضع.

فإن مأساة هذا العصر أن المسئولين عن الحكم والقيادة السياسية ووسائل تنفيذ القانون أكثرهم ممن لا يصلحون للحكم، وهم يوفرون الحماية والدعم لمرتكبي الجرائم، ويتخذون الإجراءات القمعية ضد الدعاة إلى الخير والمصلحين لمواقفهم المتعارضة لمصالحهم السياسية، فلا بد للخروج من هذه المأساة من وجود طبقة تميز بين الخير والشر، وتقوم بتعليم الخير وتقبيح الشر،ولكن مما يبعث على الأسف الشديد أن هذه الطبقة مفقودة اليوم، والأمراض والجرائم تكثر، وحوادث الانتحار والقتل والتدمير والإفساد تتفاقم لعدم وجود الأطباء الناصحين والدعاة إلى الخير، وقد أشار إلى ذلك المفكر الإسلامي الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي في إحدى خطبه بعنوان: لابد من أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض في كل زمان” فيقول:.

” الشيء المثير للتأمل والقلق، وهو عدم وجود الأطباء الناصحين المتألمين المستنكرين لهذه الأوضاع الفاسدة، الذين لا يطيب لهم طعام ولا شراب، ولا نوم في هذا الوضع، ويتعكر عليهم صفو الحياة، الشيء الأساسي الرئيسي هو وجود أولو بقية، عندهم أثارة من شعور، وبقية من غيرة إنسانية، ومن حياة الضمير، ومن الوعي الصحيح الديني، بقية من التألم والاهتمام بمصير الإنسانية، أو الاهتمام على الأقل بمصير المجتمع الذي يعيشون فيه، وهولاء أولو بقية ما زالوا في كل فترة حالكة، يبرز وجههم في فساد المجتمع، ويقومون يتحدَّون الفساد، ويصرخون به، ويخاطرون بمستقبلهم في سبيل الدعوة والإصلاح ".

ويقول وهو يؤكد على ضرورة تقديم القدوة الصالحة والقدوة الحسنة:.

” أنا أومن بأزمة واحدة، أزمة عدم وجود القدوة الحسنة والقدوة الصالحة، على مستوى الشعوب والأمم، ليس على مستوى الأفراد، والحمد لله عندنا أفراد، ولكن مصير الأمم لا يتغير بالأفراد، مصير الأمم يحتاج في تحويله إلى مجهود جماعي، وإذا بقي هذا الفراغ طويلاً، فإنه ليس خطراً على الأمم التي امتحنت به والتي تمثله، بل هي كارثة العالم كله، فتنهار هذه المدنية وتنهار هذه النظم التي تقوم الآن، ويطوي الله هذا البساط، فلابد أن تنهض هذه الأمة، لابدّ أن توطن نفسها على ملء هذا الفراغ بقدر الإمكان”.

وفي مثل هذه الظروف قد قال الشاعر العربي أبو العلاء المعري في عصره الذي كان عصر القلق والخطر والتنافس وإهدار القيم الإنسانية.

ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً

تجاهلت حتى ظن أني جاهل

فوا عجباً كم يدعي الفضل ناقص

ووا أسفاً كم يظهر النقص فاضل

وكيف تنام الطير في وكناتها

وقد نصبت للفرقدين الحبائل

وقال:

وقال السها للشمس أنت ضئيلة

وقال الدجى يا صبح لونك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهة

وفاخرت الشهب الحصى والجنادل

فيا موت زر إن الحياة ذميمة

ويا نفس جدي إن دهرك هازل

 

محمد واضح رشيد الحسني الندوي