دور الصحابة رضي الله عنهم في نشر الإسلام وتقديم نماذج حية لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم

من الصراع إلى اللقاء ومن الجدال إلى التواصل
25 سبتمبر, 2018
النظام العالمي كله في حالة الانهيار
27 أكتوبر, 2018

دور الصحابة رضي الله عنهم في نشر الإسلام وتقديم نماذج حية لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم

يقول مثل سائر “الشجرة تعرف بثمارها” ومهما كانت الشجرة وارفة الظلال وغصونها مرتفعة وجذعها واسعاً فيستفيد بها من يستظل بها، كما قال شاعر:

وقــــانا لفحــــة الـــرمضاء واد

سقاه مضاعف الغيث العميم

حــــــللنا دوحـــــه  فــــحنا علينا

حـــنو المـــرضعات على الفطيم

ولكن هذا الظل مؤقت ومحدود، وإذا كانت الثمار طيبة حلوة المذاق فإنها تفيد القاصي والداني والصغير والكبير، وقد وصف القرآن الكريم الكلمة الطيبة بشجرة طيبة فقال تعالى) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ( . (سورة إبراهيم : 24-27).

ومثل الشجر والزرع الذي يعرف بإنتاجه وثماره، المعلم يعرف بتلاميذه فندرس في كتب التراجم أسماء الأساتذة والمربين في تراجم الأعلام وأسماء أساتذتهم، ثم ندرس أسماء تلاميذهم الذين نبغوا وبرعوا في أعمالهم العلمية، وكذلك رجال التزكية والإحسان نقرأ أسماء المسترشدين الذين كانت لهم جهود مشكورة وتواصلت بهم جهود مرشديهم وانتقلت إلى الأجيال القادمة،ويتوقف ذلك على قدرة المعلم والمربي ومصدر علمه وصلاحيته وعلى استعداد القبول في تلاميذه ومسترشديه .

قد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: “كان خلقه القرآن” وقد وصف في القرآن الكريم الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعلم والمزكي، فقال تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ [ الجمعة:2] .

لقد تربى  أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في رعاية النبي صلى الله عليه وسلم فانتقلت إليهم صفاته صلى الله عليه وسلم، ومن أهم صفاته الدعوة إلى الحق: )يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( [ المائدة: 67] .

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر والصفح، والإعراض عن المشركين وتحمل الأذى  طول إقامته بمكة المكرمة، وقد قال : لقد أخفت في الله ما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يُوذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي، و لا لبلال طعام يأكله ذو كبد،إلا شئ يواريه إبط بلال”.( الترمذي: 2472، وابن ماجه:151).

فكان كل من يؤمن وينضم إلى صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ينقلب داعياً إلى الله ويحتمل ما يصيبه من مكروه وأذى ، قد نقل في سير الصحابة من روائع الحب والفداء والتضحية في سبيل الدعوة ما تحار عليه العقول  فكان كل من يتشرف بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، يستعد للتفاني والاستماتة في سبيل الدعوة إلى الله ويصبر على كل ما يصيبه من مكروه(سيرة ابن هشام: 1/317.).

فقد تحمّل الصحابة رضي الله عنهم من البلاء العظيم ما تنوء به الرواسي الشامخات، وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله، وبلغ بهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، ولم يسلمْ أشراف مكة من هذا الابتلاء.

كان الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام مفروشاً بالأشواك، محفوفاً بالمخاوف والأخطار، لا يهتدي إليه الباحث عن الحق إلا إذا خاطر بنفسه، وجازف بحياته، يدل على ذلك ماحكاه ابن عباس رضي الله عنهما من قصة قدوم أبي ذر الغفاري إلى مكة، ولقائه للرسول صلى الله عليه وسلم ودخوله في الإسلام.

والذين نشأوا في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم أخذوا العلم والحكمة والتزكية والإحسان، وحيث ان الاستفادة من المعلم والمربي تكون على أساس الصلة والعلاقة  بالمعلم والمربي، كان أصحاب الرسول صلى الله  عليه وسلم مربوطين بصلة دقيقة به لا تساويها صلة أخرى، بل هي صلة الفداء  والانجذاب إليه يقلدونه في كل عمل ويأتسون به، وقد وردت في كتب السيرة وسير الصحابة قصص هذا الارتباط والانجذاب والحرص على التلقي من الرسول صلى الله عليه وسلم وتقليده والاقتداء به بل محاكاته في الحياة الفردية والاجتماعية والرجوع إليه في كل أمر من أمور الدين والدنيا، وكانوا بذلك مصطبغين بصبغته، لا يوجد لهذا الارتباط الشخصي مثال في تراجم القادة والأبطال بل في تاريخ الأنبياء السابقين، إلا بعدد محدود.

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالنجوم فقال: “أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم”( جمع الفوائد : 2/201.) والنحوم متفاوتة  في ضوئها،فمنها الثريا والزهرة ونجوم وكواكب، صفتها المميزة أنها مشعة تنشر النور ويبدد الظلام ويهتدي بها الإنسان. وجاء في حديث صحيح :” عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ” وفي الجامع الصحيح للإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار”( كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار) وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية الداخلة في الجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم:” ما أنا عليه وأصحابي”.

وقد حقق أصحاب الرسولe الثقة التي كانوا يتمتعون بها عند الرسول e في كل حالة وبأي قيمة، وأثبتوا معدنهم في كل غزو وفي كل خطر سواء كانوا من الأنصار أم كانوا من المهاجرين، فلم يتخلف أحد عن خوض هذه الأخطار وقد تخلف ثلاثة رجال في غزوة تبوك فكان هذا التخلف لهم محنة وبلاء نفسياً وقد حكى كعب بن مالك وقد كان من المتخلفين هذه القصة بأسلوب يدل على وفائه للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى ما وجد في نفسه من وخزات الضمير والندامة، فلما بلغ ذلك  ملك غسان أرسل إليه رسالة يدعوه إلى أن يلحق به، فألقى كعب هذه الرسالة في النار، واعتبر ذلك امتحاناً لوفائه وثباته وولائه للرسول e .

لقد كانت المدرسة النبوية أعظم مدرسة للتربية والتعليم عرفتها البشرية، كيف لا، ومعلمها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم معلم الإنسانية كلها، وتلاميذها هم الدعاة والهداة، والقادة الربانيون الذين حرروا البشرية من رقّ العبودية، وأخرجوهم من الظلمات إلى النور، بعد أن ربّاهم الله تعالى على عينه تربية غير مسبوقة، ولا ملحوقةٍ!

وفق الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى تكوين الجماعة الأولى من الصحابة، الذين نقلهم من هباء الجاهلية إلى نور الإيمان، وأصبحوا جميعاً من عظماء الرجال ومشاهير العالم، وصنّاع التاريخ البشري، حيث قاموا بأعظم دعوة عرفتها البشرية.

إن خريجي المدرسة النبوية من عظماء الرجال في العالم، وهُمُ الذين قامت عليهم الدعوة والجهاد، والدولة، والحضارة فيما بعد، فلم يجُد الزمان بواحد مثل أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن وقّاص ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين .

لقد استطاع الرسول المربّي الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يربّي أفذاذ الرجال الذين حملوا راية التوحيد والجهاد والدعوة؛ فدانت لهم الجزيرة، وقاموا بالفتوحات العظيمة في نصف قرن إلى أن وصلوا إلى حدود أوربا، فقد وصل عقبة بن نافع إلى آخر حدود مراكش، إلى الساحل في عام 65هـ .

وكانت مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم مدارس الدنيا، وجامعات العالم، التقى فيها الرسول المربي صلى الله عليه وسلم بالصفوة المختارة من الرعيل الأول (السابقين الأوّلين) ويشحذ فيها صحابته بالثقة بالله، والعزيمة، والإصرار، ويأخذهم بالتزكية والتهذيب، والتربية، والتعليم، كانت هذه التربية تشحذ العزائم، وتقوي الهمم، وتدفع إلى البذل، والتضحية، والإيثار، كانوا كالذهب المصفى.

يقول المفكر الإسلامي الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي:

“كانت هذه الجماعة ـ جماعة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ  نواةً للأمة الإسلامية الكبيرة التي أخرجت للناس، ومادة للإسلام، فكان ظهور هذه الجماعة وقاية للعالم من الانحلال الذي كان يهدده، وعصمة للإنسانية من الفتن والأخطار التي أحدقت بها، لذلك قال الله تعالى لما حضّ على الأخوة والألفة بين المهاجرين والأنصار :” إلا تفعلوه  تكن فتنة في الأرض وفساد كبير” (الأنفال:73).

ولم يزل الرسول صلى الله عليه وسلم يربيهم تربية دقيقة عميقة، ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم، ويذكي جمرة قلوبهم، ولم تزل مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تزيدهم رسوخاً في الدنيا وعزوفاً عن الشهوات، وتفانياً في سبيل المرضاة، وحنيناً إلى الجنة، وحرصاً على العلم، وفقهاً في الدين، ومحاسبة للنفس، يطيعون الرسول في المنشط والمكره، وينفرون في سبيبل الله خفافاً وثقالاً، قد خرجوا مع الرسول للقتال سبع  وعشرين مرة في عشر سنين، وخرجوا بأمره لقتال العدو أكثر من مائة مرة، هان عليهم التخلي عن الدنيا وهانت عليهم رزيئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم. و قد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى، ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر ونهى، حدثوا الرسول عما اختانوا أنفسهم، وعرضوا أجسادهم للعذاب الشديد، إذا فرطت منهم زلة استوجبت عليها الحد، نزل تحريم الخمر والكؤوس المتدفقة على راحاتهم فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة، فكسرت دنان الخمر وسالت في سكك المدينة.

وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة وفي اليوم رجال الغد، لا تجزعهم مصيبة، ولا تبطرهم نعمة، ولا يشغلهم فقر ولا يطغيهم غنى، ولا تلهيهم تجارة ولا تستخفهم قوة، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسهم، أو الوالدين والأقربين، فأصبحوا عصمة للبشرية ووقاية للعالم، وداعية إلى دين الله، واستخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمله، ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته”( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص: 123-125،المجمع الإسلامي العلمي،لكناؤ، الهند، 2008م).

لقد أصبح من عادة وسائل الإعلام التي تملكها الجهات المعادية للإسلام أنها تستغل بعض الأحداث للتاريخ الإسلامي لتشويه سمعة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وتسيئ أذهان الناشئين في جو غير إسلامي وتثير شكوكاً شبهات حول تربية الرسول صلى الله عليه وسلم.

وإن بعض القنوات التي تركز على موضوع موقف الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتثير شكوكاً وشبهات، قد توجه تهماً إلى بعضهم مما يؤدي إلى سوء الفهم وعدم الثقة في تاريخ الإسلام والشخصيات البارزة التي كان لها دور في نشر الإسلام والدعوة إليه.

محمد واضح رشيد الحسني الندوي