ولد الهدى فالكائنات ضياء

النظام العالمي كله في حالة الانهيار
27 اکتوبر, 2018
العاشر من ديسمبر فرصة لإعادة النظر في وضع حقوق الإنسان القائم في العالم
1 دسمبر, 2018

ولد الهدى فالكائنات ضياء

الحمد لله رب العاملين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

فإن أيام الزمان تحمل ألوانًا وأصنافًا لأحوال حياة الإنسان، والأحوال الحاصلة منها تصبح بسبب أهميتها ذكريات لأداء الإنسان لمهماته العظيمة في حياته كما يبقى أثرها على مدى الأيام،وقد تصبح هذه الذكريات للإنسان مصدر قوة في العمل وعزيمة في أدائه.

أما الذي لا تحصل له ذكريات لأحوال الماضي فيواجه فراغًا في ذكريات حياته، ويبقى بذلك في حالة الذهول، فلا يختلف بذلك عن المخلوقات الأخرى التي خلقها الله تعالى، ويبقى غير مستفيد من ذكريات ماضيه لترقية وتحسين أحواله في حياته الراقية.

وقد جاءت أهمية بعض هذه المناسبات الحاملة للذكرى من الناحية الدينية، ومثالها شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وأشار إليه كتاب الله تعالى القرآن المجيد بقوله: ” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ "(البقرة:185) وجعل الله تعالى عمل المؤمن فيه سبعين درجة وجعل أداء العبادة بصورة حسنة مبعث سرور أيضاً، ويظهر المؤمن السرور على ذلك بعد انتهاء الشهر في اليوم الأول من شهر شوال، فهو يوم العيد؛ عيد الفطر كمناسبة سرور وبهجة.

وبعد انقضاء شهرين بعده تأتي أيام الحج إلى بيت الله الحرام الذي جعل الله تعالى العبادة فيه مائة ألف درجة، وتذكر أن إمام الأنبياء إبراهيم عليه السلام قد قام بتضحية زوجته وطفله المولود،وعندما بلغ هذا الطفل الحبيب إلى الشباب يذبحه في طاعته لربه، وأمره الله تعالى بأن يدعو الناس بالسفر إليه في أيامه المخصوصة وأداء العبادة فيها وهي ستة أيام من شهر ذي الحجة، بقوله: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ” (الحج:27-28) . فيأتي المؤمنون إلى بيت ربهم المقدس ليكسبوا على أعمالهم الحسنة في تلك الأيام الخاصة أجراً يترقى من درجة الواحد إلى مائة ألف درجة.

ويلى هذا الشهر شهر محرم الحرام، وبه تبدأ السنة الهجرية،ويليه شهر صفر الخالي من الأهمية، ثم يليه شهر ربيع الأول ميلاد خاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله الأمين صلى الله عليه وسلم،وموعد وفاته كذلك، وبذلك أصبح هذا الشهر شهر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي نفديه أنفسنا، ونحبه حباً لا نحب مثله غيره من البشر، والذي قال الله تعالى فيه:” إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ” (آل عمران: 31) وجعل حياته أسوة نتبعها لحياتنا: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ” (الأحزاب:21) فأحبه المسلمون كما لم يحبوا غيره، فقال الشاعر وهو حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه:

وأحسن منك لم تر قط عيني

وأجمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأً من كل عيب

كأنك قد خلقت كما تشاء

فإن أبي ووالده وعرضي

لعرض محمد منكم وقاء

فلقد ولد فيه آخر أنبياء الله في الأرض وملأها ببركات وخيرات، يتذكر بها كل مؤمن في الأرض، وقد تغنى بها الشعراء فقد قال الشاعر العربي أحمد شوقي:.

ولد الهدى فالكائنات ضياء

وفم الزمان تبسم وثناء

فقد أصبح شهر ربيع الأول بولادة نبي الله ووفاته بستاناً للمؤمنين، يشعر به كل مؤمن بأنه يوم يبتسم لأصحاب الإيمان بسبب شعور البهجة والسرور فيه،فقد ولد فيه رجل خير البشرية، وهاجر فيه إلى مقر الكرامة المنسوب إليه، وهو المدينة المنورة، فقد دخل في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول في عوالي المدينة،وغنت البنات المسلمات بقولهن:

طلع البدر علينا

من ثنية الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا

جئت بالأمر المطاع

وبذلك أصبح هذا اليوم من التاريخ الهجري ينتظره المسلمون في أنحاء العالم كمناسبة سرور قبل العيد،ويعتبرونه يوماً حلوّاً من بين الأيام، ويستقبلونه كاستقبالهم لضيفهم الحبيب لأنه يحمل ذكرى بعثتة الرسول خاتم النبيين الذي جعل الله فيه أسوة لحياة يرضى بها لأصحاب الإيمان من عباده الصالحين. لقد جعله الله أسوة وأمر بأن يتأسى المسلمون بأسوة حياته الصالحة، فيأتي هذا اليوم بتذكير المسلمين بأن يتبعوا الرسول العظيم،ويتأسوا بأسوته العظيمة لكي يكسبوا بذلك رضا ربهم.

عندما يأتي شهر الربيع هذا يذكر بمآثر الرسول صلى الله عليه وسلم ومننه العظيمة على الإنسانية التي كانت تائهة في الظلام، فأنقذها من الظلام والشقاء إلى النور والسعادة، فيأتي هذا الشهر كشهر الذكرى للرسول العظيم والنبي الخاتم الكريم محبوب رب العالمين أسوة الصالحين من المؤمنين، فيجب علينا جميعاً أن نجعل حياتنا تابعة لأسوته، ونصلى ونسلم عليه كلما يأتي اسمه في كلامنا أو نسمعه من غيرنا من الآخرين، فنقول صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

محمد الرابع الحسني الندوي