أرض البشرية لفي حاجة إلى سمادها

مهمة العالم الإسلامي اليوم
21 مارس, 2020
رمضان شهر الرحمة والمغفرة
9 يونيو, 2020

أرض البشرية لفي حاجة إلى سمادها

كتب الأستاذ سيد قطب رحمه الله في مقدمته الرائعة التي كتبها لكتاب شهير هزَّ الأوساط العلمية الغربية والشرقية بما يحمله من عنوان مثير للدهشة والإستغراب، ودعاها إلى التفكير من جديد، ومن زاوية أخرى، وردَّ إلى المسلمين إيمانهم بأنفسهم، وثقتهم بماضيهم، ورجاءهم في مستقبلهم، وإيمانهم بهذا الدين الحنيف الذي يحملون إسمه،ويجهلون كنهه، ويأخذون بالوراثة أكثر مما يتخذونه بالمعرفة،ويُعْرَف هذا الكتاب بـ”ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” يقول:.

“كان العالم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على شفا جرف هار،تسيطر عليه روح الجاهلية، ويتعفن ضميره، وتأسن روحه، وتختل فيه القيم والمقاييس،ويسوده الظلم والعبودية،وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التاعس، وتغشاه غاشية من الكفر والضلال والظلام، على الرغم من الديانات السماوية التي كانت قد أدركها التحريف، وسرى فيها الضعف، وفقدت سيطرتها على النفوس، واستحالت جامدة، لا حياة فيها ولا روح”. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب”.

يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي وهو يرسم أحوال المجتمع البشري حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم:.

“بعث محمد بن عبد الله، والعالم بناء أصيب بزلزال شديد هزَّه هزًّا عنيفًا، فإذا كل شيء فيه في غير محله، فمن أساسه ومتاعه ما تكسًّر، ومنه ما التوى وانعطف، ومنه ما فارق محله اللائق به، وشغل مكانًا آخر، ومنه ما تكدَّس وتكوًّم.

نظر إلى العالم بعين الأنبياء، فرأى إنسانًا معكوسًا قد فسدت عقليته، فلم تعد تسيغ البديهيات، وتعقل الجليات، وفسد نظام فكره، فإذا النظري عنده بديهي وبالعكس، يستريب في موضع الجزم، ويؤمن في موضع الشك، وفسد ذوقه، فصار يستحلي المرّ، ويستطيب الخبيث، ويستمرئ الوخيم؛ وبطل حسُّه، فأصبح لا يبغض العدو الظالم، ولا يحب الصديق الناصح.

رأى مجتمعًا هو الصورة المصغرة للعالم، كل شيء فيه في غير شكله، أو في غير محله، قد أصبح فيه الذئب راعيًا، والخصم الجائر قاضيًا، وأصبح المجرم فيه سعيدًا حظيًا، والصالح محرومًا شقيًا، لا أنكر في هذا المجتمع من المعروف، ولا أعرف من المنكر، ورأى عادات فاسدة تستعجل فناء البشرية، وتسوقها إلى هوة الهلاك”.

ويقول: ” ثم لا يلبث العالم المتمدن أن يرى من هذه المواد الخام المبعثرة التي استهانت بقيمتها الأمم المعاصرة، وسخرت منها البلاد المجاورة، لا يلبث أن يرى منها كتلة لم يشاهد التاريخ البشري أحسن منها اتزانًا،كأنها حلقة مفرغة لا يعرف طرفها، أو كالمطر لا يدري أأوّله خير أم آخره، كتلة فيها الكفاية التامة في كل ناحية من نواحي الإنسانية”. كتلة هي فتحت الدول المجاورة بقوتها الإيمانية، رغم قلة الوسائل المادية والعددكما قال تعالى.

ثم ماذا حدث؟ و كيف تغير هذا الوضع؟ وكيف انعكست هذه المقاييس؟

الآن رغم ما نملك من الوسائل، ورغم ما لنا من العدد الهائل، ورغم ما وعدنا الله به من الإستخلاف في الأرض، والتمكين والأمن، كما جاء في القرآن الكريم:” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”.

وأما نحن الآن، فلسنا مستخلفين في الأرض، ولسنا متمكنين فيه، ولسنا آمنين فيه.

ولماذا نواجه أنواعًا من الظلم والإضطهاد، ونعاني من كل لون من الذل والخضوع، والتبعية والإهانة.

يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي:.

“إن العالم لا يمكن أن يصل إلى السعادة إلا على قنطرة من جهاد ومتاعب يقدمها الشباب المسلم، إن الأرض لفي حاجة إلى سماد، وسماد أرض البشرية الذي تصلح به وتنبت زرع الإسلام الكريم، هي الشهوات والمطامع الفردية؛ التي يضحي بها الشباب العربي في سبيل علو الإسلام، وبسط الأمن والسلام على باب العالم، وانتقال الناس من الطريق المؤدية إلى جهنم، إلى الطريق المؤدية إلى الجنة”.

وأضاف يقول: ” لا ينهض العالم الإسلامي إلا برسالته التي وكلها إليه مؤسسه صلى الله عليه وسلم، والإيمان بها والإستماتة في سبيلها، وهي رسالة قوية واضحة مشرقة لم يعرف العالم رسالة أعدل منها ولا أفضل ولا أيمن للبشرية منها.

وهي نفس الرسالة التي حملها المسلمون في فتوحهم الأولى، والتي لخصها أحد رسلهم في مجلس يزدجرد ملك إيران بقوله: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العبادة إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها،ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، رسالة لا تحتاج إلى تغيير كلمة وزيادة حرف، فهي منطقبة تمام الإنطباق على القرن العشرين انطباقها على القرن السادس المسيحي، كأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خرج المسلمون من جزيرتهم لإنقاذ العالم من براثن الوثنية والجاهلية”.

إذا أردنا الخروج من هذا الوضع الهالك، فلا بدَّ لنا من الرجوع إلى الله عزوجل، والإخلاص لله عزوجل في الطاعة، والقصد والجمع بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية.

(جعفر مسعود الحسني الندوي)