الثورات بين الحقيقة والتضليل

موقفان متناقضان للغرب
8 مايو, 2019
… إلى السعادة الحقيقية
6 يوليو, 2019

الثورات بين الحقيقة والتضليل

شهد العالم الإسلامي خلال عدة سنوات ماضية، ثورات شعبية، وانقلابات عسكرية، وتحوُّلات سياسية كبيرة، فهل تغيَّر الوضع؟ واستقر الأمن؟ وقام العدل؟ وساد الهدوء؟ وتحررت البلاد من التبعية للقوى الكبرى التي بسطت نفوذها في الشرق والغرب، وخرجت من سيطرة الأنظمة المستبدة المتهمة بسرقة الأموال ونهب الثروات وسلب الحريات؟.

نعم تحررت من هيمنتها وخرجت من سيطرتها، لكنها سرعان ما وقعت في أيدي يحركها النظام الدولي، فذهبت التضحيات التي قدمها الشعب أدراج الرياح، ودخلت الجهود التي بذلها في حالة من الضياع والضلال، وعادت البلاد إلى ما كانت عليها من الجبر والإستبداد، والخضوع للغرب، أو لما نسميه بـ”النظام الدولي” الذي يتحكم في البلاد والعباد، ويقوم على تفكيك المشرق والإستيلاء على موارده الطبيعية، لأن هذه الثورات التي سماها البسطاء منا بـ”الربيع العربي” وعقدوا بها آمالاً، واحتفلوا بها احتفالاً، وصفقوا لها تصفيقاً، لم تقم إلا بفعل من الخارج، ولمصلحة الخارج وفقا لما خطط لها من الخارج.

لأن هذه الثورات هي في الحقيقة نتيجة صراع بين القوى الغربية التي لا يهمها إلا السيطرة على هذه المناطق الشرقية، وفرض هيمنتها عليها لما لها من أهمية بالغة لموقعها الجغرافي، ومكانتها الإستراتيجية، وأهميتها العقدية، وكثافة سكانها، ومواردها الطبيعية، ومنابع الثروة فيها التي يحتاج إليها القوى الكبرى التي تخشى أن الحركات الإسلامية إذا قويت وتمكنت ووصلت إلى السلطة تقف في وجهها، وتحول دون مصالحها، وتبعدها عن التحكم فيها.

ولذلك نرى الحكام الذين يتولون زمام البلاد سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، يحكمون البلاد بنفس الأدوات والآليات التي كان حكم بها من ثاروا عليهم وأزاحوهم عن السلطة، لأنهم لا يستطيعون رغم هتافاتهم التي رفعوها ودعاويهم التي ادعوا بها وعزائمهم التي عقدوها أن يخرجوا من إطار حدده النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولي، وقد نشبت في الحقيقة للقضاء على إمبراطورية إسلامية كانت مركز القوة الوحيد في العالم آنذاك، لأن الذي حاول الخروج من هيمنة الأنظمة الغربية وأراد أن يستقل بنفسه ويكتفي بذاته أو يتخذ قراراً يتعارض مع مصالح هذه الأنظمة ويضربها، طوي بساطه وأطيح به رغم شعبيته الفائقة.

وكذلك إذا أراد شعب من الشعوب أن يغير النظام الذي يجري في بلاده وفقاً لمعايير النظام الدولي لا وفقا لمعاييره، وحاول إسقاط من جاء به إحدى القوى الكبرى إلى السلطة ليحقق أهدافها ويراعي مصالحها ويعمل بما تملي عليه من الأوامر، يدفع ثمن هذه المحاولة، وهو إما أن يقتل، وإما أن يشرد، وعلى الأقل أن يعتقل.

هذا هو الوضع الذي نواجهه اليوم، وذلك لأن جزءاً كبيراً من الموارد والثروات والخيرات تحت أيدي الدول الإسلامية ولا يمكن للقوى الكبري أن تستغني عنها لأن عجلة الرقي والتقدم والإزدهار في أوربا تتوقف إذا خرجت هذه الدول من سيطرتها،واستقلت بنفسها، هذه هي حقيقة الثورات الشعبية والإنقلابات العسكرية التي تتفجر حيناً بعد حين في بلادنا، وبأموالنا وأرواحنا.

جعفر مسعود الحسني الندوي