وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

الأمن والسلام أحوج إليه من الأهداف الأخرى
6 مارس, 2018
العلم بنوعيه نعمة للإنسان
25 أبريل, 2018

وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

إن الإيمان بمبادئ الإسلام وأداء الأعمال التابعة له، هو أساس القوة والعظمة للأمة الإسلامية،فقد قال الله تعالى: “وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” [آل عمران:139] ويدل التاريخ الإسلامي على أن المسلمين نجحوا نجاحاً باهراً،ونالوا الرفعة والعلو عندما أخلصوا العمل في هذا المضمار، ولما قصروا في أداء مقتضيات العمل في ذلك أصيبوا بالمهانة والتقهقر بين الأمم.

فإن الله تعالى قد بيَّن الفرق بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى في نيل العزة والكرامة وذلك عندما قصروا في العمل بالدين المأمور من الله تعالى وآثروا الدنيا على الآخرة، أما أهل الدنيا والمنكرون لحياة الآخرة فقد ترك لهم الاستمتاع بها مقتصرين بها،وأما أهل الدين المأمور به من الله وهم أبناء الأمة الإسلامية فإن نجاحهم الكبير هو على أساس العمل الديني ولا يفوتهم النجاح في الدنيا كذلك، وهم مع ذلك ينالون في حياة الآخرة مئة الأضعاف مما يمكن أن ينالوا في الحياة الدنيا، ولا تفوتهم العزة والكرامة في الدنيا، بل قد ينصرهم الله تعالى ويفوقهم على أهل الدنيا في علو المكانة والعزة في الدنيا أيضاً.

فقد رأينا أمثلة ذلك في التاريخ الإسلامي منذ كان أهل الجاهلية في الجزيرة العربية أقوياء في أجسامهم وأحراراً في طلب ما يرونه من متاع الدنيا بقدر وسائلهم الأرضية،مع ذلك كانوا ضعفاء فيها ولم تكن لهم قوة كبيرة أمام الأمم المحيطة بهم من سلطة الروم والحبشة،لكنهم لما آمنوا بالإسلام ومبادئه وأدّوا مقتضيات هذا الإيمان ومبادئه أداءاً مخلصاً،ارتقوا ارتقاءاً كبيراً، وواجهتهم القوى العملاقة التي كانت تحيط بهم وتستهين بهم، فانهزمت انهزاماً شديداً وبلغ المسلمون إلى أوج العزة والقوة في أمور الدنيا كذلك، واستمروا في هذا العروج قروناً عديدة وبصورة فريدة، ثم تهاونوا في العمل في المقتضيات الإيمانية فضعفت قوتهم الدنيوية كذلك حتى واجهوا مهانة وهزيمة في نفس المناطق التي كانوا فيها على أوج القوة والشرف، ولكن الله تعالى الذي تؤمن الأمة الإسلامية بوحدانيته وألوهيته،حفظها من الضياع وترك لها فرصة للعمل المطلوب وجعل لها البقاء والعزة بقدر اختيارها للإيمان ومقتضياته المأمور بها بالإخلاص ونالوا القوة والعزة،فكانوا إذا فاتهم العز المطلوب في منطقة نالوا بسعيهم المطلوب العزة في منطقة أخرى، فعندما فقدوا العزو والغلبة في بغداد،نالوا الرفعة بحول الله تعالى بدخول أمة التتار في الدين الإسلامي، ولما فقد المسلمون مكانتهم في الأندلس الذي عاشوا فيه قروناً بعز وشرف، نالوا في نفس الوقت غلبة على الروم بفتحهم للقسطنطينية التي كانت مركزاً أساسياً كبيراً للروم وعلامة لعزتهم القومية.

وهكذا مرَّ التاريخ الإنساني للأمة الإسلامية من مثل هذا التراجح بين العزة والمهانة، ويثبت ذلك أن عز المسلمين وعظمتهم الدنيوية تابعة أيضاً لاتباعهم في الحياة الإيمانية والتزامهم بمبادئها وأوامرها، وقد يخطئ المسلمون بنظرتهم الخاطئة أن العزة لا تحصل إلا بالتبعية لمقتضيات الحياة الدنيوية وحدها، فهم بذلك قد يميلون إلى اتباع طريقة أهل الدنيا، انهم عندما يصابون باستكانة ومهانة يظنون أن سبب ذلك هو تقصيرهم في أسباب الدنيا وحدها، ولكن الحق أن السبب هو مفارقتهم للطريق الإيماني ومقتضياته العملية، وبذلك يفارقهم النصر من الله تعالى، فقد قال سبحانه تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” [محمد:7] واشترط لنصر الله تعالى بأن يلتزم المسلمون باتباعهم لما أمر الله تعالى به من الإيمان به وأداء مقتضياته حق الأداء والاستهانة بمقتضيات الحياة الجاهلية التي تتعارض مع الملتزمات الإيمانية الدينية التي أوضحها الله تعالى في كتابه المجيد وسنة رسوله البشير، فإن القوى المادية والخطط الدنيوية التي تترآى ناجحة في نظر كثير من المسلمين اليوم ينخدعون بها ويعدونها طريق النجاح لنيل عزتهم وشرفهم مهما كان فيهم تهاون في العمل بالمقتضيات الإيمانية في حياتهم الفردية والاجتماعية، وهي تنبع من الإيمان والعمل الصالح فردياً وجماعياً ثم تكون معها الدعوة إلي الحق ونشره، وذلك بموعظة حسنة، وأما إذا كان يقتضي المجادلة فهي أيضاً يجب أن يكون بطريق حسن، فقد قال الله تعالى “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” [النحل:125] فإذا واجههم العدو مواجهة حربية فلهم أن يواجهوه بنفس المواجهة وبنفس القوة طالبين الأجر في الآخرة، ويلزمهم أن يكون بالمحافظة على الحياة الإيمانية والدينية التي تربوا عليها، وبعد ذلك يحصل لهم النجاح والفوز والفلاح،وعلو المكانة في الدنيا كذلك، وينطبق عليهم قول الله تعالى “وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” [آل عمران:139].

محمد الرابع الحسني الندوي