من حكمة الدفاع أن تُستخدم الوسائل التي يستخدمها العدو

الإرهاب باسم مكافحة الإرهاب
28 أغسطس, 2017
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
30 سبتمبر, 2017

من حكمة الدفاع أن تُستخدم الوسائل التي يستخدمها العدو

بسم الله الرحمن الرحيم

من حكمة الدفاع أن تُستخدم الوسائل التي يستخدمها العدو

محمد واضح رشيد الحسني الندوي

تمرالأمة الإسلامية بأصعب فترات، لا يوجد لها مثيل في التاريخ، باعتبار عموم المشاكل وشمولها، وبتعبير أوضح تألُّم سائر جسدها، وتناخُر سائر بنيانها، فإن مشاكلها ومعاناتها تعمّ العالم كله،وتُلمس آثارها في سائر الأجزاء التي فيها وجود إسلامي.

وهذه المشاكل أو المحن تبدأ من العقيدة، إلى الحياة الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، فهي شاملة لسائر جوانب الحياة.

ومن حيث العموم أن هذه المشاكل توجد في سائر البلدان التي يعيش فيها المسلمون، سواء كانوا في أغلبية، أم كانوا في أقلية، فهي عامة من الصين في جانب إلى أمريكا في جانب آخر، أي من الأقصى إلى الأقصى.

كان المسلمون في التاريخ الماضي عرضة للمحن في مناطق معينة، و كانت لهم مناعة وصولة وغلبة في مناطق أخرى، فكان يقال إن شمس الإسلام إذا غربت في جزء في العالم، طلعت في جزء آخر في العالم، وكانت محنتهم عسكرية، وهي محنة محدودة التأثير والنتائج، وكانت هذه المحنة تحدث في المسلمين اندفاعاً وثورة، ثم إنها تزول وتمحي آثارها بعد مدة.

إن الوضع اليوم يختلف عن أوضاع المسلمين في تاريخهم الماضي حتى عهد الاستعمار الذي كان قد سيطر على سائر العالم الإسلامي، لم يكن أخطر من الوضع الحالي.

لاشك أن الإسلام اليوم يكسب نفوساً جديدة، وله وجود في مناطق جديدة لم يكن له وجود فيها في الماضي، وانتشرت مراكز إسلامية، وشيدت مساجد، و يجري إنشاء مدارس في أوربا، حيث لم يكن لهذه المؤسسات في الماضي وجود، و الكتاب الإسلامي اليوم ذائع ومنتشر في المناطق غير الإسلامية،وكراسي الدراسات الإسلامية مفتوحة في الجامعات العالمية، وفرص دراسة الإسلام متاحة اليوم أكثر مما كانت في الماضي، وقد كان الإسلام محصوراً ومنحازاً في الماضي في المناطق الإسلامية، والبيئات الإسلامية، وفي لغات المسلمين الخاصة.

ولكن مقابل ذلك، المخططات العالمية المدعمة بسائر الوسائل الفكرية، و السياسية، والاقتصادية، والعسكرية التي تستهدف الإسلام والمسلمين في هجماتها لا تقل خطورة؛ بل تنذر بخطر جسيم للأمة الإسلامية بأسرها وهي في حالة التنفيذ، ولم تعد مجرد مخططات، بل دخلت في حيز التنفيذ، يجري العمل بها.

وهذه المخططات التي تعدت إلى حيز التنفيذ تحمل طبيعة الغزو العسكري والغزو السياسي، والغزو الفكري، والثقافي معاً، ومما يزيد البلاء شدة وضخامة هو سدُّ سائر منافذ الدفاع فضلاً عن الكفاح، حتى الدفاع عن النفس أو تبرئة النفس عما يلصق بها من تهم، أوإدانة على أقل تقدير، فيصدق عليها المثل العربي “رمية من غير رام”.

يواجه المسلمون اليوم دعاية مكثفة ضد الإسلام والمسلمين،ولا يستطيعون أن يردوا هذه الدعاية، رغم وجود صلاحيات وقدرات فيهم، ورغم كون الحق معهم فإنهم بعيدون كل البعد عما يشاع عنهم في الإعلام، لأنهم لا يملكون وسائل الإعلام القوية، وقد أغلق المعادون لهم سائر الإمكانيات البشرية والعلمية، وتساندهم في ذلك حكومات المسلمين أنفسهم، لأنها خضعت رغبة أو رهبة للقوى العالمية التي تحارب الإسلام، فتساعد هذه الحكومات على تنفيذ هذه المخططات.

وبحانب ذلك يواجه المسلمون في بلدان هم فيها في أغلبية، صراعات مسلحة بين مختلف الفرق والعصابات التي تدعمها الجهات الخارجية، والعناصر المغرضة، فيجري سفك دماء المسلمين بأيديهم، و مسرح ذلك الذي ينال دعماً من الدول الخارجية: الصومال، والسودان، باكستان، واليمن، وأفغانستان، والعراق،وليبيا،وتونس، وسوريا وبعض الدول العربية، كما يواجه المسلمون ضغوطاً و معاكسات من الأغلبية غير الإسلامية، في البلدان التي هم فيها في الأقلية، أولهم تمركزفي بعض المناطق، وهم محاطون بأغلبية غيرإسلامية كميانمار(بورما) التي يجري فيها سفك دماء مسلمي الروهينغيا على مرآى من العالم ومسمع، فالمسلمون يتعرضون لمجازر بشرية هائلة بأيدي البوذيين المتطرفين ولكن المنظمات العالمية لرعاية حقوق الإنسان لا تحرك ساكناً، حتى الأمم المتحدة تلازم الصمت حيال ما يجري في بورما من إبادة وتطهير عرقي، والعالم العربي مكتوف الأيدي،إلا ما تقوم به تركيا وبعض الدول الإسلامية حسب ظروفها من أعمال الإغاثة والضغط على الحكام لمنع حدوث مثل هذه الاعتداءات.

يواجه المسلمون اليوم غزواً استعمارياً موسعاً، لا يشترك فيه بلد واحد، ولا يتعرض له بلد واحد، ولا يستخدم فيه تيكتيك أو استرتيجية واحدة، بل تستخدم طرق متنوعة، فقد استولت القوة العالمية على عدة بلدان علنياً، وتخطط لبسط نفوذها في البلدان الأخرى.

وفي المجال الاقتصادي انتقلت ثروة أصحاب الخير في سائر البلدان الإسلامية إلى القوى الأجنبية لأنها تستولى على البنوك، والمصارف، وجمعيات التمويل، فلا يستطيع أهل الخير أن يتصرفوا في مالهم الذي كسبوه من عرق جبينهم وكد يمينهم حسب رغبتهم، فتملي عليهم القوى الأجنبية طرق الإنفاق حتى في أموال الزكاة والبر والصدقات، وتعين مصارفها.

ويواجه المسلمون اليوم حملات التشويه، والتزوير، والتحريف، بأقلام بعض أدعياء الفكر الإسلامي وزعماء الإصلاح المزعومين من الذين ينتمون إلى الإسلام، أو يدعون أنهم مسلمون، درسوا الإسلام، و يروج هؤلاء الكتاب أفكاراً جديدة، واتجاهات جديدة، يحدث الشذوذ الفكري في أوساط المسلمين، وتعارض بين الدعاة والمصلحين وصراع فكري وعملي، وقد كان هذا العمل يقوم به المستشرقون وحملة الأقلام الغربية المعروفون، وكان ذلك أمراً مكشوفاً، فقد كانت كتبهم في السيرة النبوية، وفي التاريخ الإسلامي، والعلوم الإسلامية مكشوفة، ومحدودة الانتشار، لا تنتشر إلا في أوساط المثقفين ولكن الخطر الحديث الذي ينبعث من أوساط أو عناصر تدعي الانتماء إلى الإسلام أكثر خطراً من الخطر الماضي، فإن هذه الكتب والمؤلفات بأقلام مؤلفين لهم أسماء إسلامية تخدع الذهن الساذج، وهي بالعربية والفارسية والأردية والإنجليزية،والهندية، ولغات المسلمين الأخرى، وقد سهل هذا العمل ووصوله إلى عامة القراء الصحف، والمجلات، والانترنت، والتسجيلات، والمنشورات، وقد انتشرت هذه الأفكار الشاردة، وأحدثت في القراء اضطراباً فكرياً، وشكوكاً وشبهات في الثوابت والمسلمات.

إن هناك حرباً عسكريةً وحرباً فكرية، وحرباً ثقافية، وخطراً خارجياً، وخطراً داخلياً، والذين يشنون هذه الحروب هم أحرار، ينالون كل دعم من القوى الخارجية والداخلية، أما الذين يقدرون على مواجهة هذه الحروب، هم مقيدون مكبلون أو لا يعرفون الواقع، فيسكتون،أو يحبون العافية، فيلازمون الصمت أو مشتغلون بقضايا ومسائل فرعية أو بالية، ويصرفهم الانشغال بهذه المسائل والأمور عن الاهتمام بالقضايا الحاسمة التي يتوقف عليها مصير الأمة الإسلامية.

إن الاستيلاء على آراضي المسلمين قد حدث مرات في التاريخ، ولا يشكل ذلك خطراً كبيراً، وقتل النفوس، والتخريب، وأعمال الهدم في منطقة من المناطق الإسلامية أيضاً وقع كثيراً، وتعرض المسلمون للإجراءات التعسفية لقوة من القوى، ولكن الوضع اليوم هو بمثابة وباء يعم العالم كله، وهوإدانة الإسلام و المسلمين، وتحميلهم مسئولية الفساد في العالم كله، وبذلك أصبح المسلم في كل مكان مشبوهاً يخشاه الناس، ويؤخذ الأبرياء، ويعاقبون على أعمال أو نوايا منسوبة إليهم.

يتطلب الوضع اليوم وعياً، وشعوراً، وفراسة، ودراسة، ومعرفة، وحكمة، وأسلوباً متكافئاً لمواجهة الأخطار الناشئة التي تهدد مصير الأمة الإسلامية، و وجودها كأمة متميزة ذات رسالة وقيادة وشهادة.

لقد كانت الأخطار السابقة محدودة لا تعدو الخطر العسكري، لكن الخطر المعاصر هو خطر علمي وفكري، وثقافي، وخطر داخلي، وخارجي، ولذلك أنه لا يحتاج إلى أسلوب عسكري، كما تلجأ إليه بعض العناصر، أو يفكر فيه بعض القادة، أوزعماء الحركات المنعزلة، المتطرفة، بل يزيد الوضع حدة وتوتراً، وتحدث مشاكل، وعقبات في عمل الإصلاح، وإنما يحتاج إلى أسلوب علمي و فكري، وإعلامي، ومن حكمة الدفاع أن يستخدم السلاح الذي يستخدمه العدو، و أن تعرف هوية العدو الحقيقي ووسائله التي يستخدمها، إليه تشير الآية الكريمة:

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوالله و عدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم) [الأنفال: 60ـ 61]

إن فشل المسلمين في المعركة التي هم فيها، يرجع إلى أنهم يختارون الوسائل التي لا تناسب الوضع، ولا تستند على الدراسة، وعندما يدرك المسلمون طبيعة المعركة يكون النصر حليفهم، ويخرجون من مأزقهم الذي وقعوا فيه منتصرين.