من الوحدة إلى التفكُّك

إعادة النظر في كتب التاريخ بحسن النية تؤثر على الصلات بين مختلف الطبقات
24 أبريل, 2017
شهر وبركات وخيرات
3 يونيو, 2017

من الوحدة إلى التفكُّك

محمد واضح رشيد الحسني الندوي

إذا استعرض أحد الأوضاع العالمية،وجد أن المسلمين أسوأ حالاً،وأكثر تعرُّضاً للاعتداء والهجوم،ويقاس ذلك بنسبة المسلمين الأعلى في النازحين، وكذلك المسلمون أكثر تعرُّضاً لخرق حقوق الإنسان، ويواجهون الكبت والحرمان من حرية التعبير، والعقيدة، وممارسة شعائرهم الدينية والمظاهر الثقافية،والحقوق السياسية،وإدارة نظم التعليم والتربية حسب تصوُّرهم، فهم في سائر هذه الميادين محرومون من حقوقهم الأساسية، وتفرض عليهم أفكار وتصوّرات وطرق ومناهج للحياة لا تتطابق مع ذوقهم وطبيعة حياتهم،ويتعرض المسلمون حيناً لآخر للاعتداءات المسلحة،ويتكبدون بخسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات؛ ليس في منطقة واحدة، بل في سائر أنحاء العالم حتى في أوربا وأمريكا.

لقد قضى العالم الإسلامي حوالي قرن كامل تحت حكم الدول الأوربية بما فيها الدول الرأسمالية في أوربا الغربية، والاشتراكية في أوربا الشرقية، وفرض عليهم المستعمرون أفكاراً ونظريات، بالوسائل السياسية، ونظم التعليم والتربية، والإعلام، فحدث بذلك في المسلمين انقسام فكري ونظري.

بتأثير قضاء فترة طويلة في الحكم الأجنبي، ثم في عهد حكم الموالين للحكام السابقين يعيش العالم الإسلامي كله اليوم في وضع مأساوي،يجري فيه صراع مسلّح بين مختلف طبقات المسلمين أنفسهم،تقع نتيجة لذلك خسائر فادحة في الأرواح، سواء كان ذلك في العراق الذي شتّت شمله الغزو الأمريكي، ويجري فيه صراع بين السنة والشيعة والأكراد، وما يجري في سوريا من قتل وتدمير بنطاق واسع، وتنسب إلى كل عامل ناشط في ميدان العمل الإسلامي والإصلاح،تهمة التطرف والإرهاب، وتنقل الصحف كل يوم أخبار الخسائر التي تقع بالهجوم المسلح، ولا تستثنى من هذه الاعتداءات المساجد والمقابر، وحفلات الزواج والعرس، وعمليات التدفين،وتتعرض للتفجيرات التي تنفذ من قبل أشخاص مجهولة و تؤدي إلى خسائر في الأرواح؛ ليس في مكان واحد، بل في أمكنة مختلفة.

لقد كان العراق في التاريخ الطويل قبلة العالم، وكان يعد قوة كبرى، يؤم إلى بغداد والكوفة والبصرة رُوَّادُ العلم، وكانت هذه المدن مراكز الإشعاع الفكري والحضاري؛ ولكن القيادات السياسية التي تولت الحكم في هذا البلد منذ نصف قرن بعد انحسار الاستعمار قضت فترة حكمها في أعمال تصفية أصحاب العقول والولاء للوطن، والوفاء للإسلام والوطن الإسلامي، ولجأت إلى أيديولوجيات وفلسفات مستوردة من الذين استعمروا العالم الإسلامي، وقضوا على هويّته، ومحوا معالم تاريخه، وجفّفوا منابع قوته، من أجل الولاء للعناصر التي تتربص بالعالم الإسلامي الدوائر، وخاصة مراكز القوة في العالم الإسلامي التي كان لها دور مجيد في التاريخ؛ دور التصدي للغزو الأجنبي،وللفلسفات الأجنبية من عهد العباسيين في القرن الثالث، وواجه علماؤها الغزو الفكري من الفرس إلى اليونان والروم والهند، وأخذوا ما طاب منها،ونبذوا ما لم يطب، وأسسوا قاعدة للحضارة الإسلامية العالمية التي حملت أطايب الحضارات العالمية.

وكانت مصر كنانة الإسلام، قد واجهت في العصر الإسلامي غزوات مركزة، وردت الحروب الصليبية الطويلة، وكانت مركز العلم والحضارة الإٍسلامية، لكنها بتأثير الأفكار المستوردة والمروجين لها من أبناء البلاد فقدت وضعها ووجودها في ميدان الدفاع عن الإسلام والإشعاع العلمي والحضاري .

وبالإضافة إلى الاستعانة والاعتماد على هؤلاء المتربصين الذين كانوا يضمرون الحقد، ويحملون روح الانتقام، قبلوا الأفكار والنظريات والأيديولوجيات التي فرّقت كلمة المسلمين،ووزّعتهم على مخيمات ومعسكرات متصارعة بالإضافة إلى تصورات الوطنية والقومية التي وزّعت العالم الإسلامي الموحد في ظِلّ الخلافة، إلى أوطان صغيرة، وكيانات مصغرة متحاربة، ثم غرس هؤلاء المتربصون والأعداء للوحدة الإسلامية اتجاهات وميولاً وعصبيات إقليمية بين هذه الكيانات المصغرة.

كان المسلمون في العالم كله أمة إسلامية واحدة بفضل الآية الكريمة “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” [الأنبياء:92]، وكانت الحدود والجغرافية للانتظام بموجب آية “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” [الحجرات:13].

وكان من تأثير هذه الوحدة أن حادثاً وقع في الهند كان له أثر في العاصمة الإسلامية في جزيرة العرب، وكان للجريمة التي وقعت في أوربا ضد المسلمين صدىً في عاصمة الدولة العباسية في بغداد، ويذكر التاريخ الإسلامي هذين الحادثين فكان فتح الهند للإسلام وفتح عمورية رمزاً لهذه الوحدة.

كانت هذه الوحدة في الشعور، وفي الولاء، و في الانتماء إلى الإسلام سمة للمسلمين في الماضي، بغض النظر عن الحدود الجغرافية، كان شعارهم  “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ” [آل عمران:19]، “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي اْلآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ “[آل عمران:85]، ولكن الولاءات لعقائد وأفكار ونظريات مستوردة كسرت هذه العروة الوثقى التي كانت تربط العالم الإسلامي كله.

عندما كسرت هذه العروة الوثقى أو الحبل المتين الذي كان يوحّد العالم الإسلامي كله شعورياً وفكرياً وعقلياً وعملياً كان المسلمون قوة عالمية بفضلها، وتفرّقت كلمة المسلمين بغلبة النزعات الوطنية والإقليمية والفلسفات الفكرية، لقد كان الشعار الأول الذي رفع لتفكيك شمل الأمة الإٍسلامية: القومية، فنادى الحاملون لهذه الأفكار أن العرب أمة واحدة من المحيط إلى الخليج، ولكن بغلبة الوطنية توزعت هذه الوحدة إلى أوطان صغيرة متصارعة حتى قال بعض القادة في العالم: مصر للمصريين، والشام للشاميين، ثم وزعت الفلسفات والانتماءات إلى أفكار متصارعة، البلد الواحد على بلدان مختلفة، فلم تبق مصر بلداً واحداً، ولا الشام بلداً واحداً، بل توزعت مصر إلى معسكرات وتكتلات، وكذلك الشام والعراق، وتوزّع كل بلد من هذه البلدان التي رفع قادتها شعار القومية،إلى قوميات ووحدات متفرقة، وكان هذا التفرّق سبب الشقاء والصراع الذي يجري اليوم في العالم الإسلامي، وكانت النتيجة الرئيسية لهذا التفرّق غلبة الهوان، وذهاب هيبة المسلمين من النفوس. “وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ” [الأنفال:46]، “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [آل عمران:103-105].

إن هذا الوضع المأساوي الذي يعيشه المسلمون، نتيجة مباشرة لتفرُّق كلمتهم، وتوزُّعهم على معسكرات، وانتماءاتهم إلى أفكار ونظريات متصارعة، والبحث عن حلول القضايا في منابر من يتربّص بهم الدوائر، ويكيد لهم مكايد.

ولا عزة ولا قوة للمسلمين، سواء كانوا عرباً أو عجماً، إلا بالإسلام، وبالاعتصام بحبل الله المتين، وقد أشار إلى ذلك العلامة أبو الحسن الندوي ـ رحمه الله تعالى ـ وهو يخاطب الأمة العربية في حفلة التكريم في دبي عام 1999م فقال:

” إن الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد العربي صلى الله عليه وسلم، منبع حياتكم، ومن أفقه طلع صبحكم الصادق، وأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هو مصدر شرفكم، وسبب ذكركم، وكل خير جاءكم ـ بل وكل خير جاء العالم ـ  فإنما هو عن طريقه،وعلى يديه، أبى الله أن تتشرفوا إلا بانتسابكم إليه، وتمسُّككم بأذياله، والاضطلاع برسالته، والاستماتة في سبيل دينه، ولارادّ لقضاء الله، ولا تبديل لكلمات الله، إن العالم العربي بحر بلا ماء، كبحر العروض حتى يتخذ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم إماماً وقائداً لحياته وجهاده، وينهض برسالة الإسلام، كما نهض في العهد الأول، ويخلص العالم المظلوم من براثن مجانين أوربا الذين يأبون إلا أن يقبروا المدنية، ويقضوا على الإنسانية القضاء الأخير،بأنانيتهم واستكبارهم وجهلهم، ويوجّه العالم من الانهيار إلى الازدهار، ومن الخراب والدمار والفوضى والاضطراب، إلى التقدم والانتظام والأمن والسلام، ومن الكفر والطغيان، إلى الطاعة والإيمان، وإنه حق على العالم العربي سوف يسأل عنه عند ربه، فلينظر بماذا يجيب؟.