الإرهاب باسم مكافحة الإرهاب

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (القرآن الكريم)
16 أغسطس, 2017
من حكمة الدفاع أن تُستخدم الوسائل التي يستخدمها العدو
18 سبتمبر, 2017

الإرهاب باسم مكافحة الإرهاب

بسم الله الرحمن الرحيم
الإرهاب باسم مكافحة الإرهاب
الإسلام دين، ونظام حياة قائم على تعاليم الإسلام السمحة التي تجمع سائر جوانب الحياة، فلا رهبانية في الإسلام كالأديان العالمية الأخرى، ولا الحرية المطلقة التي توجد في أصحاب الحضارة الغربية،فهو دين وسطي، وكذلك النظام القائم على أساس تعاليمه نظام وسط، و إن ما يميِّز الإسلام عن غيره من الأديان هو الشعور بالمسئولية عند الله في السر والعلن، وفي حياة الفرد والجماعة، ويتميز الإسلام عن غيره بأنه دين حبّ لا إكراه فيه، كما تدل عليه الآيات الكريمة “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” [النحل:125]. “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (فصلت:33-34) “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (البقرة: 256)
ويدعو الإسلام الداعي إليه إلى أن يكون موقفه مع ما ينكره، موقف العدل والاعتدال، كما جاء في الحديث النبوي الشريف ” من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ” وقال في موضع: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”. وجاء في الحديث النبوي أن أعرابياً بال في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين” حتى في موضع الاعتداء الذي جوز فيه الانتقام لأن الانتقام من طبيعة الإنسان، أمر الله تعالى بالعفو والمغفرة، وفضله على الانتقام مع رعاية طبيعة الإنسان من أخذ الثأر وقال: “فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ” [البقرة:194].
وفي السيرة النبوية أمثلة كثيرة لمواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم الاعتداء بالعفو، و الظلم بالحلم، كذلك كان أصحابه صلى الله عليه وسلم اقتداءً بسيرة رسولهم صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الموقف في الحروب، وفي المعاملة مع الأسرى، وأكبر دليل على ذلك موقفه مع أسرى بدر،و في حنين في معاملة إعادة الغنائم إلى الذين حاربوه. يروى أنه لما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم  بتوزيع المال بدأ بأشراف قريش وسادات العرب لتأليف قلوبهم، وهم الذين عادوه وآذوه، فجاء أبو سفيان وقال يا رسول الله ! أصبحت أكثر قريش مالاً، فتبسم عليه السلام، فقال أبو سفيان أعطني من هذا يا رسول الله، فقال يا بلال زن لأبي سفيان أربعين أوقية، واعطوه مائة من الإبل، فقال أبو سفيان ولابني يزيد ، فقال صلى الله عليه وسلم زنوا ليزيد أربعين أوقية ، واعطوه مائة إبل، فقال أبو سفيان و لابني معاوية يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال صلى الله عليه وسلم زن له يا بلال أربعين أوقية، واعطه مائة من الإبل.
فقال أبو سفيان إنك كريم، فداك أبي وأمي، ولله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيراً .
وجاء وفد من هوازن، يستعطفون في ردِّ أموالهم وأهليهم فخير النبي صلى الله عليه وسلم بين المال والأهل، واختاروا الأهل، فنزل لهم النبي صلى الله عليه وسلم  عما كان له ولبني عبد المطلب، ثم خطب الناس في رد أهليهم فرد الناس عليهم سباياهم .
وفي فتح مكة المكرمة كان العفو مع الذين حاربوه بل قادوا الحملات الشرسة ضده، وكان الغالب في سلوكه العفو والصفح وتأليف القلوب، فقال يوم فتح مكة للأعداء:”اليوم يوم المرحمة”، وقال لأهل البلد المفتوح:”لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء” ومنح أكبر أعدائه أبا سفيان الأمن، فقال ”من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن” و وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الأمن والعفو حتى أصبح أهل مكة لا يهلك منهم إلا من زهد في السلامة وكره الحياة .
وخير دليل على العفو وتأليف القلوب خطبتُه المشهورة أمام الأنصار عندما وجد بعض الأنصار في نفوسهم جدة عند ترجيح أهله في تقسيم الغنائم، وتدل هذه الخطبة على التواضع وكسر الذات واختيار طريق إرضاء الناس وإقناعهم فقال بعد ما حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: يا معشر  الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً، فهداكم الله بي، وعالة، فأغناكم الله بي، وأعداءً، فألّف الله بين قلوبكم؟” قالوا: الله ورسوله أمنُّ، وأفضل، ثم قال: “ألا تجيبوني يا معشر الأنصار”ّ؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله ! لله ولرسوله المنُّ والفضل؟ قال: “أما والله لو شئتم ؛ لقلتم، فلصدَّقتم، ولصُدّقتم: أتيتنا مكذّباً، فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك،أوجدتم عليّ يا معشر الأنصار! في أنفسكم في لَعَاعَةِ من الدنيا تألَّفت بها قوماً؛ ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار؛ أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ ! فو الذي نفس محمد بيده! لما تنقلبون به خيرٌ ممّا ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً، ووادياً، وسلكت الأنصار شِعباً ووادياً،لسلكت شِعْبَ الأنصار وواديها، الأنصارُ شَعارٌ ،والناس دثار،اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار”.
وذلك هو المنهج النبوي الشريف، وقد تجلى ذلك في موقفه في الحديبية وفي الغزوات، فلم يكن موقفه موقف الهجوم ولا العنف ولا الانتقام ولا قتل النفس، أما قتل النفس فقد كان أشنع عمل، كما جاء في موقفه مع المقداد،يروى أنه بعثت سرية فيها المقداد،فتفرق القوم وبقي رجل له مال كثير لم يبرح ، فتشهد ، فقتله المقداد ، فأخبر الرسول عليه السلام بذلك فقال : “أقتلت رجلاً قال لا إله إلا الله ، فكيف لك بلا إله إلا الله غداً ؟” .
وقيل : لقي الصحابة المشركين فهزموهم ، فشد رجل منهم على رجل ، فلما غشيه السنان قال : إني مسلم ، فقتله وأخذ متاعه ، فرفع ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم فقال : “قتلته وقد زعم أنه مسلم ؟” فقال : قالها متعوذاً قال : “هلا شققت عن قلبه ؟ ” (رواه الشيخان).
وإن موقف الحكام المسلمين الذين عملوا بتعاليم الإسلام مع غير المسلمين كان دائماً موقف احترام دينهم ومنحهم الحرية الكاملة لاتباع تعاليم دينهم، ولم تفرض قيود على اتباع تعاليم دينهم مهما كانت معارضة لتعاليم الإسلام، ولذلك وصف بعض الكتاب من غير المسلمين أن نظام الحكم الإسلامي نظام عادل، بل في المصطلح الحديث نظام فيه تتمتع الأقليات غير الإسلامية بحقوقهم الكاملة لا تطبق عليهم قوانين الإسلام.
إن الموقف المعاصر للقادة السياسيين ضد الإسلام وضد الدعوة إلى الإسلام موقف قائم على سوء الفهم، والخوف من صلاحية الإسلام لكسب القلوب، والتي تظهر في سرعة انتشار الإسلام واعتناقه خاصة لدى المثقفين الذين يدرسون الإسلام.
وترجع معاداة الإسلام ووصفه كدين الإرهاب إلى موقف قائم على أساسين: سوء الفهم أو عدم فهم الإسلام، ونفسية الخوف من صلاحية الإسلام للانتشار في الغرب، كما تدل عليه تقارير صحفية.
وبناءاً على هذه النظرية يقوم أعداء الإسلام بتدبير عمليات لتشويه صورة الإسلام والحركات القائمة بنشر الإسلام، وتقدم بعض تصرفات دعاة الإسلام الطائشة أو القائمة على روح الانتقام الوقود للحرب التي شنها أعداء الإسلام في هذا العصر، كما يرجع هذا الموقف إلى لجوء القائمين على الحركات الإسلامية إلى اتخاذ وسائل مقاومة محاكاة للحركات الغربية المعاصرة، فأصبح بذلك الإرهاب صفة الإسلام، ويقوم الموقف المعاند للإسلام بوسائل القمع والكبت ضد العاملين للإسلام، فانقلب الوضع، و يواجه المسلمون بغض النظر عن عملهم بتعاليم الإسلام وانحرافهم عنه،موقفاً خطيراً وهو موقف الشك والريبة والقمع وكبت الحرية والإسراع إلى اتهامهم بتهمة الإرهاب.
إن المسلمين اليوم في سائر أنحاء العالم حتى في دولهم التي يحكمها حكام بأسماء إسلامية يواجهون وضعاً مؤلماً وهو الإبادة إبادة الجنس وإبادة عمل الدعوة والتعليم والثقافة ويعيشون في وضع حرب من الشك والريبة ويجري في عدد من أقطار العالم القتل الجماعي والتشريد.
خسرت الأمة الإسلامية خسارة أكثر من عشرين ملايين من النفوس، ومروا بمذابح، وتشاهد وكالات حقوق الإنسان والأمم المتحدة هذه المآسي البشرية،ولكن لا تتخذ إجراءات لمنع هذه العمليات الإرهابية، ورغم كل ذلك توجّه تهمة الإرهاب إلى المسلمين، وينظر إليهم بنظر الريبة والشك، ولدى كل حادث عنف توجه تهمة الإرهاب قبل التحقيق إلى المسلمين أنفسهم، ويصدق عليهم اليوم ما قاله أبو العلاء المعري:
وكيف تنام الطير في وكناتها
وقد نصبت للفرقدين حبائل.
محمد واضح رشيد الحسني الندوي