مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزَةِ

شهر رمضان شهر الاشتغال بالقرآن
9 يونيو, 2020

مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزَةِ

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ، لَا يَزَالُ الرِّيحُ تُفِيئُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ بَلَاءٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزَةِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ ”

تخريج الحديث: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (20307)، ومن طريقه أحمد (7814) ومسلم (2809)، والترمذي (2866)، وابن حبان (2915)، والبغوي (1437)

شرح الغريب: قال الإمام العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (21/ 209): “الأرزة بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وبالزاي، قَالَ ابْن قرقول: كَذَا الرِّوَايَة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: إِنَّمَا هُوَ الآرزة على وزن فاعلة وَمَعْنَاهَا الثَّابِتَة فِي الأَرْض، وَأنكر هَذَا أَبُو عبيد بِأَن الروَاة اتَّفقُوا على عدم الْمَدّ وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي سُكُون الرَّاء وتحريكه وَالْأَكْثَر على السّكُون وَقَالَ أَبُو حنيفَة: راؤه سَاكِنة وَلَيْسَ هُوَ نَبَات أَرض الْعَرَب وَلَا السباخ بل يطول طولا شَدِيدا ويغلظ. قلت: شاهدته فِي بِلَاد الرّوم فِي أَرَاضِي بَين جبال طرسوس والأرندة وتكيده، أما طوله فَإِن شَجَرَة مِنْهُ قلعهَا هبوب الرِّيَاح الشَّدِيدَة من جبل وَوصل طرفه إِلَى جبل آخر وَبَينهمَا وَاد عَظِيم فَصَارَ كالجسر من جبل إِلَى جبل، وَأما غلظه فَإِن عشْرين نفسا وَأكْثر مسك بَعضهم بأيادي بعض وَلم يقدروا على أَن يحضنوها. قيل: وَلَا يحمل شَيْئا وَإِنَّمَا يسْتَخْرج من أغصانه الزفت، وَقَالَ قوم: الأرزة على وزن فعلة محركة الْعين أَي الرَّاء، قَالُوا: هُوَ ضرب من الشّجر يُقَال لَهُ: الأرزن، لَهُ صلابة. وَقَالُوا: الْأرز مَعْرُوف واحدته أرزة وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ: الصنوبر، وَإِنَّمَا الصنوبر ثَمَر الْأرز. وَقَالَ الْخطابِيّ: الأرزة مَفْتُوحَة الرَّاء الصنوبر، وَقَالَ ابْن فَارس: هِيَ شَجَرَة بالعراق تسمى الصنوبر” اهـ

شرح الحديث: لا شك أن المثل الذي ضربه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نموذج رائع من بليغ القول ومن جوامع الكلم وهو يحمل معنى قيما عظيما وتوجيها نافعا رشيدا، وهو أن المؤمن رقيق الفؤاد لين القلب منكسر النفس متواضع الطبع تصيبه الغفلات فينة بعد أخرى ولكنه سرعان ما يصحو ويخبت إلى ربه عز وجل ويتضرع إليه إذا أصابه الله ببلاء تنبيها له وإيقاظا من سنة الغفلة رحمة منه ولطفا فيتوب إلى الله تعالى توبة نصوحا ويفيض دموعا غزيرة ويندم ندما صادقا ويعزم عزما صحيحا فيتداركه الله برحمته فينجو من الهلاك، وبالعكس من ذلك الكافر والفاجر الذي لا يزال يتسكع في الغي والهوى ويستمر به التيه والزهو ويستعصي على البلايا والرزايا ولا يدعه الكبر ليخضع أمام الله تعالى ويتمسكن فيمهله الله ويملي له فلما جاوز الحد أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: 44-42]

(عبد الرشيد الندوي)