درس من السنة

تضحية الصحابة رضي الله عنهم
7 يناير, 2020

درس من السنة

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ابْتَاعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ، وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ: الْعَجْوَةُ، فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِهِ، فَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: “يَا عَبْدَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ، فَالْتَمَسْنَاهُ، فَلَمْ نَجِدْهُ” قَالَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَا غَدْرَاهُ. قَالَتْ: فَنَهَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللهُ، أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا”. ثُمَّ عَادَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللهِ إِنَّا ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزَائِرَكَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِنْدَنَا مَا سَمَّيْنَا لَكَ، فَالْتَمَسْنَاهُ، فَلَمْ نَجِدْهُ ” فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاغَدْرَاهُ، فَنَهَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالا ” فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا رَآهُ لَا يَفْقَهُ عَنْهُ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: ” اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقُلْ لَهَا: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكِ: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ، فَأَسْلِفِينَاهُ حَتَّى نُؤَدِّيَهُ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللهُ “. فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ، ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ: ” اذْهَبْ بِهِ، فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ ” قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ، فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ. قَالَتْ: فَمَرَّ الْأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ ”

تخريج الحديث: أخرجه أحمد في المسند برقم:26312 والبزار في البحر الزخار برقم: 88 وحسن إسناده محققو مسند أحمد، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري في سنن ابن ماجه بسند صحيح برقم:2426 وشاهد آخر بإسناد مرسل عن عبد الله بن سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في شعب الإيمان للبيهقي برقم:10717و شاهد عن أبي حميد الساعدي في حلية الأولياء لأبي نعيم (10/ 290).

شرح الحديث: إن هذه القصة من حياة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم لجديرة بإنعام النظر، وطول التأمل، والاتباع، والاحتذاء، إنها تعكس لنا الأخلاق العلوية، والشمائل الطيبة، والطبيعة الحرة الكريمة، والسيرة العطرة النيرة، والسلوك النبيل القويم، والتعامل العادل الشفاف، وسماحة القلب، وسعة الصدر، مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. يستفاد من القصة الابتعاد من الغش في البيع والشراء، وحسن الاعتذار عند التقصير، والحلم على جهل الجاهلين، والتشمير والإسراع في أداء الحق إلى صاحبه، والاستعانة بالأصدقاء، والاستدانة عند الحاجة، والحرص على كبت الفتنة. وقد لقن النبي صلى الله عليه وسلم أمته درسا خالدا حقا وتوجيها باقيا ساميا في حسن المعاملة، والنصفة، والعدل، والإحسان، والأخلاق، بقوله: “إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالا” وبقوله: ” أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ “.

عبد الرشيد الندوي