التخطيط الدقيق المنظم للوقت … الجد والصرامة في العمل

شهر رمضان
18 اپریل, 2022
الحرب في أوكرانيا تعيد تشكيل أسواق النفط العالمية
18 جون, 2022

التخطيط الدقيق المنظم للوقت … الجد والصرامة في العمل

محمد وثيق الندوي (مدير التحرير)

تبدأ المدارس الدينية الإسلامية في شبه القارة الهندية عامها الدراسي الجديد في شهر شوال كل عام، فقد بدأت تدب إليها الحياة والنشاط من جديد، بعد انقضاء فترة جائحة كورونا التي غيرت مجرى الحياة، وقلبت الموازين،وخلفت آثارًا سيئة وخطيرة في مختلف مجالات الحياة،وخاصة أضرت بالتعليم رغم مواصلة التعليم عن بعد، فكل عام وأنتم بخير.

نرى كثيرًا من إخواننا المتخرجين، يشكون الزمان، أو يصابون بمركب النقص وخاصة عندما يخوضون معركة الحياة العملية وهم لا يحملون الصلاحية العلمية المطلوبة التي يقتضيها العصر، والأوضاع والظروف، وهذه الشكوى ليس سببها المدارس أو نظامها التعليمي، لأن هذه المدارس أنجبت في العهد الماضي عباقرة وعمالقة في الفكر والعلم، وعلماء ربانيين ودعاة كبارًا، عبر العصور والدهور، قاموا بتأدية متطلبات عصرهم، وتزخر كتب التراجم والسير بذكرهم وأعمالهم الباهرة ومآثرهم الخالدة، واليوم أيضًا تقدر المدارس على تحقيق ما يتطلبه العصر ومواكبة ركب الحضارة والتقدم رغم حاجتها إلى تغيير وتطوير في مناهجها التعليمية والتربوية ومقرراتها الدراسية.

إنما مرجع هذه الشكوى إلى عدم الاكتراث والعناية المطلوبة بالدراسة والتعليم، وإلى التساهل وعدم التخطيط الدقيق والتنظيم المحكم للوقت، وعدم تحديد الهدف من الدراسة، وإلى عدم الإخلاص في العمل، والاختصاص في الموضوع الذي يتوخونه.

إن هذا العصر الذي نعيشه، هو عصر العلم والمعرفة والاختصاص في فن، وإلا فلا يقبل من لا يحمل العلم وإن كان يحمل الشهادات والتزكيات والتوصيات الحاصلة من كبار الشخصيات، فإذا كان الطالب المتخرج في مدرسة- عصرية كانت أو دينية- لا يتسم بالصلاحية العلمية والدراسة الواسعة والخبرة لا يكون ناجحًا في مجال من المجالات، ولا تنفعه التزكيات والتوصيات والشهادات،وأمثلة ذلك كثيرة وشائعة في الحياة المعاصرة.

كان الطلاب في العهد الماضي ينقطعون انقطاعًا كليًا إلى الدراسة والمطالعة، وكسب المعرفة في فترة الدراسة، وهم يجمعون بين الصلاحية العلمية والمطالعة الواسعة ونشوة التحقيق والبحث، وبين الالتزام بالقيم الروحية والخلقية، والإخلاص في العمل والاختصاص في موضوعهم، وما قاموا بالاحتجاجات والاضرابات والملاهي والألعاب، وكانوا يعتبرون فترة الدراسة والشباب أروع وأغني وأخصب ما في عمر الإنسان، من ناحية الطموح والهمة والذكاء، فواصلوا بذلك الحركة العلمية والنشاط التعليمي في عصورهم، وتملكوا ناصعة العلم، وقاموا بدورهم الإصلاحي والتربوي والدعوي المطلوب، ونوروا العالم بمصابيح علمهم الجامع وفكرهم السليم.

ولكن من المؤسف أنه قد تغير الوضع اليوم، وانقلب الحال، فأصبح عهد الشباب والدراسة عهد الاحتجاجات والملاهي والاشتراك في الامتحانات بدون استعداد لها، وقضاء الوقت فيما لا يعود إليهم بفائدة، فأصبحوا اليوم لا يهمهم إلا أن ينالوا بعض الشهادات ولو كانت مزورة، ويكسبوا قليلاً من المال بدون النظر إلى مصدره، ويحصلوا على الرواتب والوظائف ولو كان على حساب الضمير والمبدأ والعقيدة والأخلاق، ولا يجتهدون  في الدراسة، ولا يهتمون ببناء الشخصية؛ بل يمضون أوقاتهم الغالية في النوم والأحلام المعسولة والأماني الكاذبة، والاشتغال المفرط بوسائل التواصل الاجتماعي فيما لا يجديهم شيئًا، بل يرزؤهم في دينهم وخلقهم، مع أن هذه الوسائل تساعد في كسب العلم عندما تستغل استغلالاً حسنًا.

ولا يعني هذا أن العصر أصبح عقيمًا،وانقرضت المواهب والصلاحيات، ولم يبق جوهر الحياة، وتغيرت الأرض والسماء والماء، بل إن الشباب الطلاب الدارسين يحملون المواهب والملكات، وجوهر الحياة، وإنما الشيء الذي تغير وتبدل، هو عدم العناية المطلوبة بالدراسة،والتركيز الكامل عليها، وإنشاء الملكات، والتوجيه الصحيح، وفقدان الصبر والاجتهاد، واحتمال المشقة، ومحاربة العدو الحقيقي "النفس” وكذلك ينقصهم الجد والصرامة وتحديد الهدف والإيمان بما يحصله من العلم والمعرفة.

فإن الحاجة تمس إلى العناية الزائدة بالتعليم والدراسة، وا لتخطيط الدقيق المنظم للوقت، والجد والصرامة في العمل، والاجتهاد في نيل الهدف المنشود، وعلو الهمة، والتمسك بالمبادئ والعقيدة والثبات عليها، والالتزام بالقيم الخلقية والمثل العلمية؛ لأن العلم إذا كان خاليًا عن الالتزام بالقيم والمثل الخلقية يكون سببًا للضياع والهلاك، وكذلك لابدّ من الإخلاص في العمل والاختصاص في فن، فإذا قام الإخوة الدارسون بالالتزام بما التزم به السلف الصالح من العناية المركزة بالدراسة والمطالعة، والإخلاص، والاسترشاد بأصحاب التربية الروحية والتوجيه الرباني، والمداومة على المطالعة، والسعي لتوسيع الثقافة والمعرفة حتى تكون الدراسة والمطالعة الشغل الشاغل لهم، وصرف سائر الأوقات -باستثناء الحاجات البشرية والكفاية من الراحة- في الاستزادة من العلم والمعرفة، سيظهر منهم علماء ربانيون وأبطال غيورون، يأتون بالمآثر العظيمة، والأعمال الجليلة، وكذلك لابد خلال الدراسة والتلقي، من احترام الأساتذة والصلة القوية بهم، والارتباط الروحي والتعلق القلبي معهم، لأن فداء الطلبة وحبهم العميق مع الأساتذة والمعلمين والتفاني فيهم، ميزة النظام التعليمي في الإسلام.