ازدواجية المعايير!!

أوربا في الانتحار
7 اپریل, 2022
روسيا.. وإمبراطورية الكذب!
7 اپریل, 2022

ازدواجية المعايير!!

محمد وثيق الندوي (مدير التحرير)

الحرب الروسية الأوكرانية التي تشكل خطرًا على الأمن العالمي، ليست إلا سلسلة من الحروب الأوروبية التي لم تحدث إلا للمصالح الاستراتيجية أو الأهداف الاستعمارية،وإن تاريخ  أوروبا مليئ بسفك الدماء المعصومة، وقتل الأبرياء، والقسوة والهمجية  والإرهاب والعنف والتطرف، وكل من يدرس تاريخ أوروبا القديم والحديث والقادة والحكام الأوروبيين بذهن مفتوح بعيدًا عن الحقد والتعصب ليعلم الحقيقة؛ مَنْ هو الرحيم العادل حقًا، ومَنْ الذي تغلغلت القسوة في فؤاده، حتى فقد فطرته الإنسانية وصار يتعامل كخَلْقٍ غريب لا نعرف أصله ولا طبيعته كما شوهد في الحروب التي جرت بين الدول الأوربية نفسها كحرب المائة عام بين فرنسا وإنجلترا،وحرب الثلاثين عامًا التي مزقت أوروبا،وحرب السنوات العشر،وحروب ما قبل الإصلاح،و حروب الهوسيين، وثورة فرنسا، وحرب الفلاحين الألمانية،وحرب التسع سنوات،وحروب فرنسا الدينية، وحرب الثمانين عامًا، وحرب كولونيا،والحرب ضد سييسموند،والحرب الأهلية الإنجليزية، وحرب الإحدى عشر عام، والثورة المجيدة،والحرب الوليمة في إيرلندا،وحرب الخلافة الإسبانية وغيرها،وكانت كلها بين دول أوروبا نفسها لأهداف دينية و استراتتيجية واستعمارية،وكذلك شوهدت الهمجية الأوروبية في الغارات التي شنتها القوى العالمية على العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها.

لعل أبرز ما يميز الحروب التي يشنها الغرب على العالم الإسلامي، أو الحروب التي تنشب داخل العالم الغربي نفسه، هي القسوة المفرطة التي تصل إلى حد البشاعة، وإذا قَبِلَ البعض هذه القسوة بين المتحاربين- وهي غير مقبولة في الإسلام- فكيف يفسر الوضع الماسأوي الذي يتعرض له المدنيون خلال الحرب وبعد انتهاء الحرب؟ فلا نجد حرمة لنساء ولا أطفال ولا أسرى ولا ممتلكات ولا أماكن عبادة!. نذكر فيما يلي بعض وقائع الهمجية وسفك الدماء التي مارسها أدعياء الحضارة والأمن العالمي مقتبسة من كتاب”الرحمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم” للدكتور راغب الحنفي السرجاني الحائز على جائزة المركز الأول بالمناصفة في المسابقة العالمية للتعريف بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عام 1428هـ .

الحروب الصليبية:

” يصف المستشرق الشهير جوستاف لوبون بشاعة الحروب الصليبية قائلاً: "وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة الكريم عمر بن الخطاب t نحو النصارى حين دخلها منذ بضعة قرون، حيث عقد الصليبيون مؤتمراً أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس، من المسلمين، واليهود، وخوارج النصارى، الذين كان عددهم نحو ستين ألفاً، فأفنوهم عن بَكْرَةِ أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستثنوا منهم امرأة ولا ولداً ولا شيخاً!!..  فقد قطعت رؤوس بعضهم، وبقرت بطون بعضهم، وحرق بعضهم في النار،  فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار!..”.  

محاكم التفتيش:

شهدت إنجلترا في عهد الملكين "هنري الرابع، وهنري الخامس” (1399م – 1422م) موجة من الإعدامات للمخالفين للكنيسة الكاثوليكية بطريقة بشعة، فقد كان الإعدام بواسطة الإجلاس على الخازوق!.. ولم يلغ هذا الأسلوب نهائيًا إلا في سنة 1676م!.. أي أن الإعدام بالخازوق قد استمرَّ هناك قرابة ثلاثة قرون!.

وفي أسبانيا وصل عدد ضحايا هذه المحاكم إلى: 31.000  أحرقوا بالنار، و290.000 عذبوا بعقوبات لم تبلغ حد الإعدام..

أما في هولندا فقد بلغ تعداد الضحايا في عهد الملك "تشارلز الخامس” (1337 – 1380م) 100.000 ضحية..

وفي عهد ابنه وولي عهده، سيق إلى المقصلة(3) الرجال والنساء والأطفال، حتى  بلغ عدد الضحايا 50.000 إنسان.. واستمر هذا المسلسل من القهر حتى القرن السابع عشر الميلادي.

وفي فرنسا، في عهد الملك "تشارلز التاسع” (1550 – 1574م)، ذبح الكاثوليك أكثر من 20.000 من البروتستانت.  وفي عهد الملك "لويس الرابع عشر” (1638 – 1715م) تجددت المذابح ضد البروتستانت، فسيق الكثيرون إلى الإعدام.. ومن نجا من القتل خيَّرهم الملك بين الارتداد عن البروتستانتية إلى الكاثوليكية وبين الهجرة من فرنسا، فهاجر نصف عدد البروتستانت – أي نحو نصف مليون – ذهبوا إلى هولندا وإنجلترا وبروسيا وأمريكا.

إبادة الهنود الحمر:

لقد تعرض الهنود الحمر في القرون الأربعة الماضية إلى سلسلة من حروب الإبادة بمختلف الوسائل، لقد كان عدد السكان الأصليين في الأمريكتين يبلغ 150 مليون نسمة، ينتمون إلى أربعمائة قبيلة، أين هم الآن؟ لقد تمت إبادتهم بالكامل، ومحو تاريخهم وآثارهم، ولعله لم يبق منهم الآن أكثر من مليون إنسان فقط.

الحرب العالميـة الأولى: (1914-1918)        

  حدثت عند مطالبة ألمانيا بمصالح استعمارية في العالم تتضارب مع مصالح الدول الاستعمارية الكبرى، فاشتعل العالم أجمع وانقسم إلى فريقين متحاربين، وكانت المعارك قاسية على الأطراف المتحاربة وظهرت فيها أسلحة جديدة أشد فتكًا!! وانتهت هذه الحرب بهزيمة ألمانيا وحلفائها، وقُدِّر عدد القتلى بنحو عشرة ملايين إنسان، وبلغ عدد الجرحى عشرين مليوناً، وقد أنشئت بعد ذلك عصبة الأمم لمنع مثل هذه الحروب مستقبلاً، ولكن هيهات.

حركة "التطهير” السوفيتية : (أغسطس 1936)

لقد رُوَّع العالم بما جرى في الاتحاد السوفيتي في أغسطس 1936م، حين تم القبض على مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين بتهمة التنظيم لاغتيال الزعيم الروسي ستالين، وبعد تقديمهم إلى محاكمات صورية، صدر الحكم بالسجن لمعظم المتهمين، وتم نفي بعضهم إلى سيبيريا الجليدية، كما تم إعدام بعض المتهمين رميًا بالرصاص.

الحرب العالميـة الثانيـة: (1939-1945)

في عام 1939م بدأت الأحداث المروعة للحرب العالمية الثانية، والتي شارك فيها 15.600.000 مقاتل، واستمرت زهاء ست سنوات 1939- 1945، وتُعَدُّ هذه الحرب أكثر الحروب البشرية دموية على مدار التاريخ، ولقد خسر فيها الجميع، حيث خرجت الولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة بحصيلة قتلى بلغت 292.000 من قواتها المسلحة، وخسر الاتحاد السوفيتي 750.000 قتيل، وخسرت الصين بمفردها 2.200.000 قتيل(13) ، وبلغ عدد الجرحى 80 مليوناً، كما خلّفت ملايين لا تحصى من المعوقين والمشردين والمفقودين.

هيروشيما ونجازاكي: (أغسطس 1945)

إن من أبشع صور القسوة مع المدنيين ما حدث لسكان مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، ففي صباح يوم 6 أغسطس 1945م أُسقطت القنبلة الذرية الأمريكية الأولى على مدينة هيروشيما، فمات على الفور 70.000 مواطن ياباني، والعجيب أنه بعد ثلاثة أيام فقط ألقت أمريكا القنبلة الثانية على مدينة نجازاكي فمات على الفور 60.000 مواطن آخر، وقد صرَّحَ مجلس مدينة هيروشيما إن عدد قتلاها ارتفع في سنوات قليلة إلى 230.000 إنسان بسبب ما خلفته القنبلة من إشعاعات، كما وصل عدد الجرحى إلى 157.000 شخص.

حرب فيتنام: (1964-1975)

شنت الولايات المتحدة حربًا شاملة ضد فيتنام الشمالية، وقد أسفرت الحرب عن مقتل 3 مليون فيتنامي معظمهم من المدنيين، وخلّفت أكثر من 30.000 معوق، و40.000 لاجيء، فضلاً عن المدن العديدة التي دُمرت تدميراً كاملاً”.

هذه أمثلة  لأدعياء الحضارة والعدل والمساواة تدل دلالة صارخة على ما مارسه الغرب وأوروبا من ظلم وقهر وإكراه، وبالعكس تاريخ الإسلام حافل بالعدل والعفو والصفح والتسامح والمؤاساة وإسداء المعروف والمعاملة الحسنة مع الناس كما اعترف المنصفون من الغربيين .

هذا، وتتحرك منظمات الحقوق الإنسانية نظرًا لما يتعرض له الأوروبيون في أوكرانيا -ونحن ندين ذلك أشد الإدانة لأن ديننا الإسلام لا يقر بالظلم وانتهاك الحرمات في أي حال وفي أي مكان- وترفع الأصوات لصيانة حقوق الإنسان،وهذه الخطوة مما يستحسن، ولكن هذه المنظمات الحقوقية لم تتحرك عندما قتل في البوسنة 300 ألف مسلم، واغتصبت 60 ألف مسلمة بالأيدي الروسية، فأين كان الغرب المتشدق بحقوق الإنسان؟ وكذلك لم يبك الغرب على من ذهب ضحية للهلاك والدمار في العاصمة الشيشانية سنة 1999م في القصف الروسي، كما يتباكى اليوم على الأوكرانيين، ولم يفرض عقوبات على روسيا ولم يدعم الشيشانيين بالمال والسلاح كما يفعل اليوم؟

وكشف الصراع الدامي بين روسيا وأوكرانيا أو بالأحرى بين روسيا والغرب-كما كتب الدكتور جمال نصار في مقال له في مجلة المجتمع- "اللثام عن مقاصد وأهداف المجتمع الدولي وازدواجيته، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تكيل بمكيالين، فإذا تعلّق الأمر بالجنس الأوروبي، أو بالرجل الأبيض؛ الجميع يتحرك ويُدين ويُصدر عقوبات اقتصادية متصاعدة، ويدعم بني جنسه بالمال والسلاح،أما إذا تعلق الأمر بالعرب والمسلمين؛ فتلك مسألة أخرى يظهر فيها حق الفيتو في مجلس الأمن الذي يسيطر عليه ويتحكم فيه خمس دول فقط، يُسيّرون العالم كله على رغباتهم واختياراتهم، دون أدنى اعتبار لحقوق الإنسان، أو حريته وكرامته”،كما وقع عند الغارات الأمريكية على العراق وسوريا وأفغانستان، وليبيا وتونس.

وتدعي أوروبا فصل السياسة عن الدين، ولذلك تعارض وصول أصحاب الاتجاه الديني إلى السلطة في العالم العربي والإسلامي،كما وقع في مصر وتونس والعراق والسودان ومالي، ولكن السياسة الأوروبية لا تخلو عن روح الدين والكنيسة،فتقول دراسات تاريخية نشرتها صحف أمريكية وأوروبية -كما نشر موقع بي بي سي عربي على الانترنت-” إن الحرب التي يقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا ذات جذور دينية، وأن بوتين يتقمص دور أمير مسيحي أرثوذكسي من العصور الوسطى يسمى "أمير كييف”، وحَّد روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، ويرى بعض المؤرخين أن العامل الديني لعب دورًا في قرار الغزو، وهو ما تذهب إليه المؤرخة الأمريكية البارزة ديانا باتلر باس، المختصة بتأريخ المسيحية،فقد أكدت في مقال بمجلة "religion news” في 24 فبراير 2022م أن العامل الديني أدى دورًا في قرار الغزو، وتقول: إن لبوتين أسباباً دينية "مبطنة” أخرى للغزو، من بينها رغبة بوتين في الاحتفال بعيد الفصح (القيامة) المسيحي في كييف”.