شهر رمضان

روسيا.. وإمبراطورية الكذب!
7 اپریل, 2022

شهر رمضان

محمد وثيق الندوي (مدير التحرير)

نعيش هذه الأيام نفحات رمضان الربانية المليئة برحمات الله ومغفرته، والعتق من النيران،أوله الرحمة، أوسطه المغفرة، وآخره العتق من النار؛ فرمضان ساحة السكينة، ومأوى الفضيلة، وطارد الرذيلة، رمضان هدية السماء وبركة أهل الأرض، وخير يفيض لعمر مديد، يناد مناد كل ليلة : ” يا باغي الخير أقبل و يا باغي الشر  أقصر ولله عتقاًء من النار، وذلك كل ليلة” .

رمضان موسم عالمي للطاعات والعبادات، وفعل الخيرات والمبرات، والبر والمؤاساة، وهو ربيع النفوس والأرواح، كما كتب المفكر الإسلامي والأديب المصري الدكتور جابر قميحة في مقال له : ” إذا كان ربيع الزمان هو فصل الصحو، وجمال الطقس والتفتح، والخضرة والنضرة، والنماء والنشاط، والحيوية، فإن شهر رمضان هو ربيع النفوس والأرواح، إنه الواحة اليانعة الغناء التي رصدها الله للمسلم ليركن إلى أفيائها، ويتملى جمالها، ويتمتع بثمارها، بعد مسيرة أحد عشر شهراً من العناء في ضجيج الحياة ومادياتها، وضوضائها وهمومها ".

رمضان مدرسة ربانية جامعة يتربى فيها المسلم على مثل عليا، وقيم سامية؛ من الصدق والوفاء، والأمانة والشجاعة، والجود والعطاء، والمساواة والمؤاساة، وتجنب الرذيلة وقول الزور، والكذب، والغيبة والنميمة، والفسق والفجور، والغش والخديعة، وسائر المفاسد التي مقتتها الشريعةالإسلامية، شعار المؤمن فيه : ” إني صائم … إني صائم” .

رمضان فرصة سانحة؛ لا يُفَوِّتُها إلا متهاون مغبون، ولا يزهد فيها إلا جاهل محروم، أما من أنار الله قلبه ونقّي فؤاده فإنه يستفيد من رمضان كل الاستفادة، وذلك بالتوبة من الذنوب والآثام، صغيرها وكبيرها، والإقلاع عن المعاصي والسيئات جليلها ودقيقها، والإكثار من الطاعات والعبادات والخيرات، فهذا زمان التوبة وفعل الخيرات .

وفي رمضان تتقوى الأسس الإيمانية وتتجمل البنايات السلوكية، فلا خير في إيمان، لا يفرز عملاً ينفع صاحبه والناس، فالإسلام أكبر من الشعارات الجوفاء، والتصريحات العمياء، وإنه دين انتصار السلوك  على المظاهر الفارغة الخلابة، وخضوع القلوب لرب العالمين وهو رب رحيم ودود غفور.

وفي رمضان تتجلى أسمى المعاني الإيمانية؛ فالصوم عبادة سرية فلا قانون يسن الصيام غير قانون السماء، بلا حرس ولا خفر، ولا كاميرات ولا تنصتات، ورغم كل هذا فالمؤمنون صائمون عن لذائذ الطعام والشراب، معرضون من اللغو والرفث والآثام، تحدوهم نفحات الرحمن في شهر القرآن، وتشد من عزائمهم الرغبة في الجنان؛ فسبحان من ربّي أهل الإيمان على عينه، وأكمل بتعاليم الإسلام  الإحسان إلى خلقه؛ فلا يعرف النفاق قلوبهم، ولا الخديعة سلوكهم،لأنهم دوماً في معية الرحمن،يراقبونه في كل حال، كما كتب الدكتور خالد سعد النجار.

وفي رمضان يسود الجو الروحي كل مكان؛ من خشوع وخضوع، وتقوى، وذكر وتسبيح، وإنابة ومراقبة، ومحاسبة للنفس، وتلاوة وتدير في القرآن، يقول شاعر طيبة محمد ضياء الدين الصابوني :.

وفي رمضان كم  خشعت قلوب

بذكر الله والسبع المثاني

وفي رمضان كم غفرت ذنوب

تفتح فيه أبواب الجنان

وما أحلى ليالي الذكر فيه

تبيت وأنت موصول الجنان

وتسبح في معارج من كمال

وتتلو فيه من غرر البيان

ورمضان شهر التلاوة والقرآن؛ فأول آية من القرآن نزلت في رمضان، وكان صلى الله عليه وسلم يكثر من التلاوة في رمضان، وصلاة القيام في رمضان عمادها القرآن، فهو عبادة الليل والصوم عبادة النهار، ولهذا يكون الصيام والقرآن شفيعين للعبد يوم القيامة؛ يروي ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه،  فيشفعان”.

فإن هذا القرآن شافع مشفع، وصادق مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، فتتبعوا أوامره، وأقيموا حدوده، واعملوا بتعاليمه، ولا تدعوا شهر رمضان يمر بكم دون أن يترك في النفوس قبساً من نوره، وأثراً من تهذيبه، فيرفع عنه حجاب الغفلة، ويكشف لها عن مواطن العبرة، فتكونوا من العارفين العاملين؛ فإن لم تفعلوا فاذكروا يوماً يخاصكم فيه نبيكم صلى الله عليه وسلم حين ينادي ربه )يا رب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا( [ الفرقان: 30].

فالصوم طهارة للنفوس، ونقاء للأرواح، تسمو بها إلى الملأ الأعلى، وترتفع بها إلى أفق الملكية، حيث تتصل بعالم غير هذا العالم، والقرآن منبع فياض ينضح بهذه الروحانية، ويذكر النفوس بالملأ الأعلى أيضاً ويجلو أمامها أسرار ملكوت السماوات والأرض، بل هو وديعة الملأ الأعلى وهديته لهذا العالم الأدنى فهو حبل الله المتين؛ طرفه بيد الله وطرفه بيد الناس، يقول الشاعر هارون هاشم رشيد:

هكذا الصوم فكرة تملأ النفوس

فتسمو لعالم الأنوار

هكذا الصوم نشوة تأسر الروح

فتمضي مع النسيم الساري

هكذا الصوم رحمة تغمر القلوب

فيحيا بسنة الإيثار