الاحتفال بالعام الجديد

البيروني وإسهامه في العلوم (2/الأخيرة )
7 جنوری, 2020
يا ربّ ……
7 جنوری, 2020

الاحتفال بالعام الجديد

يطل علينا عام ميلادي جديد سينتقل به الناس من زمن إلى آخر، وسينتهى قلمُ التاريخ من تسجيل ما حدث في العام الذي ودعناه آنفاً، وسيقبل على تسجيل ما سيحدث في العام الجديد دون توقف وتردد.

ونرى الناس يحتفلون بقدومه احتفالاً حارًّا، ويتبادلون أحرَّ التهنئات وأجمل المسرات في بيوتهم وحفلاتهم وحانوتاتهم، كأن هذا القدوم سيكون أحسن قدوم بالنسبة لهم، فيتوجهون له إلى أسواقهم، يساومون البائعين في الملابس الجديدة والتقنيات الحديثة مبتهجين مسرورين، لا يأخذهم النوم ولا يغشاهم النعاس حتى يبلغ الليل منتصفه، فإذا بأجراس لأبراج الساعات ترن في أقطار العالم من مشارقه إلى مغاربه، يسعى الناس كبيرهم وصغيرهم إلى مشاهدة هذه اللحظة التي تكاد تعد من أعظم لحظات هذا العام المقبل، وإذا بالابتسامات تتلألأ على وجوههم، والثغور تفتر عن أفواههم، والسماء يتغير لونها بالألعاب النارية، وليس وراء كل ذلك شيء من العجب لنا نحن المسلمين!

مهلا، فليس كل ذلك مهم يا تُرى، فإن الذي يهمني بهذا الصدد هو أن الدين دينَ الإسلام تعبير عن كل ما فيه من الضروريات والحاجيات والتحسينات، كما ذهب إليه الإمام الشاطبي – رحمه الله – في كتابه الموافقات، يتلمس أهله ألا يشركوا بالله شيئا، وأن يؤمنوا برسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يعتقدوا أن السعادة كلها في الدين، والشرف في إخلاص العمل لله وحده، وأسباب السرور لا تنجلي إلا حين يوطد الإنسان نفسه على ترك ما لا ينفعه لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: ”من حسن الإسلام تركه ما لا يعنيه”.

بينما يترقب الناس كلهم قدوم هذا العام الجديد ترقب الفلّاح ثمار مزارعه، ويعتبرون كل سعادتهم في إتيان الفجور والفسوق وضياع الوقت، ويرون جُلَّ أفراحهم في رفض الدين وقطع صلتهم بربهم، والمشاركة في نشر الفحش والطغيان فيما بين الناس، ولا سيما بين ذوي المراهقة، فليس جدير بمن يحمل راية التوحيد أن يمد عينيه إليهم ويصغي إلى حديثهم؛ لأن فيه من ضياع وقت، وغياب قيَمٍ، وفقدان احتشام، وزوال لباقة، وما بالغت في قولي هذا، ولكنها الحقيقة.

حذار أن يملك عليك هواك، فتقع في ظلام حالك، بل استيقظ من غفوتك، لأن روحك تناديك من داخلك، فاستقبلها استقبالا في جوف الليالي بحسنات، وهذا من مهمات ذي قلب سليم!

فيا لها من سعادة موفورة لمسلم وهو في صلاة في منتصف الليل، ومعظم الناس في الفجور عند قدوم أول يوم من العام الجديد، ويا له من حظ طيب لطالب وهو مشغوف بالعلم يستنزل رحمات ربه وسكناته، ويا له من شرف جسيم لعبد يبدي العبودية لجلالة ربه والربوبية لرفعة قدرته، أليس هذا شرفا للمسلم في مدلول كلمته، فإنه لا يندم ولا يحزن، لا يحسد ولا يغتبط، وإنما هو في طمأنينة وسلام، يمسه الخير مسا ولا ينفصل عنه أبداً، كأنه زهرة تزهر في ظل الصخور المتعالية!