محمد نعمان الدين الندوي
الشئ بالشئ يذكر…كنت بدأت الحديث ببيان سبب تشبيه: “المدرسة” بـ”الأم”، ثم تطرق الكلام إلى ما يتعلق بالمدرسة من الإشارة إلى بعض معالمها وملامحها ونشاطاتها.
وكان كل ذلك كمقدمة وتمهيد… فالغرض الأصيل من هذا الحديث هو التحدث عن: “أمي العلمية: ندوة العلماء” التي تمتاز بين شقيقتها بمزايا تجعلها في الصدارة، وشامة بين مثيلاتها من المدارس والدور الإسلامية العلمية والتربوية، التي لا يستهان بفضلها وأهميتها ودورها في القيام بواجباتها.
لكن ندوة العلماء لها مكانة خاصة، وخصيصة متميزة ليست لغيرها.
وذلك لأن ندوة العلماء تقوم فكرتها على الوسطية والاعتدال، والانسجام بين الروح والمادة.
وهذه الفكرة التي تبنتها ندوة العلماء، ليست مستحدثة، بل فكرة أصيلة عريقة، تنبع – أصلا – من الكتاب والسنة.
فإذا كانت الندوة دعت إلى الوسطية..، فالقرآن الكريم سمانا: “أمة وسطا”، فلا غرابة في الدعوة إلى الاعتدال والوسطية، وإنما هي دعوة إلى العودة إلى المنابع الأولى والجذور والخصائص الأساسية.فالندوة – بدعوتها إلى الوسطية- لم تأت بدعا، ولا جاءت بغريب..، بل جددت وأحيت…، جددت الانتباه إلى هذه الخصيصة الإسلامية الكبرى..،و أحيت أهميتها وعظمتها، ودعت – من جديد – إلى احتضان: “الميزة” التي امتن الله بها على هذه الأمة، وفضل بها على غيرها:
(وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (البقرة:143)
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) (البقرة:٢٠١)
كما أكد علي بن أبي طالب على أهمية هذه الميزة: “الوسطية” والالتزام بها والعض عليها بالنواجذ قائلاً:
“عليكم بالنمط الأوسط، الذي يلحق به التالي، ويرد إليه الغالي”.
إذن… الفكرة الندوية هذه..فكرة قرآنية نبوية محمدية بحتة..فكرة واضحة المعالم، مشرقة السمات والقسمات والخصائص، فكرة مباركة مستنيرة، لا لبس فيها ولا غموض..ساطعة كالشمس، مشرقة كالقمر، نافعة كالمطر..
وفي هذه الوسطية والاتزان والاعتدال والجمع بين الأصالة والمعاصرة…- التي تمتاز بها الندوة – سر تميزها وتفردها،و نموها وازدهارها، وإبداعها وإحسانها، واستمرارها وامتدادها، والتحمس في تلقي فكرتها بالقبول، والترحيب والاحتفال بها من جميع فئات الأمة وطبقاتها وأطيافها، وهذا الجمع العادل هو طابع الندوة المتفرد الأصيل، وروحها وجوهرها ولحمتها وسداها، وواسطة عقدها وغرة جبينها، وبيت القصيد فى نظمها الفريد.
هذه هي: “ندوتنا”…ندوة الوسطية والاعتدال، ندوة الفضل والحب والكمال، ندوة التسامح والأمن والسلام، ندوة التحية والترحيب، والاعتراف والتقدير لذوي الكفاءات والصلاحيات، وأصحاب الفضل والنبوغ، ندوة الصمود على المبادئ والتمسك بالثوابت، ندوة المرونة والتيسير في الانتفاع بالوسائل والأدوات.
ندوة شبلي وسليمان، ندوة أبي الحسن والرابع، ندوة واضح وسعيد.
ويحلو لي هنا أن أنقل ما قاله العلامة رشيد رضا المصري عن سبق ندوة العلماء إلى الدعوة إلى التسامح، يقول: “اجعلوا أساس الارتباط والاعتصام بينكم الأصول المتفق عليها، والتسامح (والتعاذر) في مسائل الخلاف، وقد فتح لكم هذا الباب المبارك إخوانكم علماء الهند بتأسيس جمعية ندوة العلماء” (مجلة: “المنار”، ص: 764، 30/ شوال 1328هـ = 2/ نوفمبر 1980م، المجلد العاشر، المجلد 13)
هذه هي ندوتنا وفكرتها…رضي عنها من رضي…و احتضنها من احتضن، فوفق وبورك له وفاز بالحسنيين.
إن هذه الندوة قامت – والحمد لله- بدورها المنتظر، وآتت ثمرها المرتقب، فخرجت الأجيال تلو الأجيال تضطلع بمهامها، وتحسن أداءها في مختلف المجالات وعلى شتى الأصعدة.
فهي موئل الدين، ومعقل الأدب، ينفر إليها طائفة من الشباب من جميع أنحاء الهند، بل من العديد من أقطار العالم، ليتفقهوا في الدين، ويتضلعوا من لغة القرآن الكريم، وينذروا قومهم إذا رجعوا.
وخريجوها من الموفقين لفهم روح العصر، يرافؤون متطلباته، ويسايرون ركبه، ويوجهونه توجيها سليما.
هذه هي ندوتنا وفكرتها.. رضي عنها من رضي، واحتضنها من احتضن، فوفق وبورك له، وفاز بالحسنيين.
إن ندوتنا هذه تمتاز عن شقيقاتها:
هذه هي ندوتنا وفكرتها..رضي عنها من رضي، واحتضنها من احتضن، فوفق وبورك له وفاز بالحسنيين.
*****