وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

الوحدة والانسجام
13 ستمبر, 2021
حاجة العالم الإسلامي إلى الشعور بالذاتية والعمل لإثباتها
11 نومبر, 2021

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

(محمد الرابع الحسني الندوي)

كانت الإنسانية في عصر البعثة في طريق الانتحار، وكان الإنسان في هذا القرن السادس المسيحي قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، وكان الناس في شغل شاغل، وفكر ذاهل، لا يرفعون إلى الدين والآخرة رأسًا، ولا يفكرون في الروح والقلب، والسعادة الأخروية، وخدمة الإنسانية، وإصلاح الحال لحظة، وربما كان إقليم واسع ليس فيه أحد يهمُّه دينُه، ويعبد ربَّه، لا يشرك به شيئاً، ويتألم للإنسانية ومصيرها البائس، وصدق الله العظيم:ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41].

وكتب الإمام شاه ولي الله الدهلوي بعد استعراض الأحوال الدينية والاجتماعية والحضارية قبل البعثة:

"فلما عظمت المصيبة، واشتد هذا المرض، سخط عليه الله والملائكة المقربون، وكان رضاه تعالى في معالجة هذا المرض بقطع مادته، فبعث نبياً أمياً، صلى الله عليه وسلم، لم يخالط العجم والروم، ولم يترسم برسومهم، وجعله ميزاناً يعرف به الهدى الصالح المرضي عند الله من غير المرضي، وأنطقه بذمِّ عادات الأعاجم، وقبح الاستغراق في الحياة الدنيا والاطمئنان بها، ونفث في قلبه أن يحرم عليهم رؤوس ما اعتاده الأعاجم، وتباهوا بها كلبس الحرير، والقسي والأرجوان، واستعمال أواني الذهب والفضة، وحلي الذهب غير المقطع، والثياب المصنوعة فيها الصور، وتزويق البيوت، وغير ذلك، وقضى بزوال دولتهم بدولته، ورياستهم برياسته، وبأنه هلك كسرى فلا كسرى بعده، وهلك قيصر فلا قيصر بعده” (حجة الله البالغة،ص 1/242 ).

إن المرحلة التي كاد أن يدخل فيها العالم الإنساني في منتصف القرن السادس الميلادي، كانت مرحلة الالتقاء والتقارب بين الأرجاء المختلفة للمعمورة، والاستفادة من التجارب العلمية والعملية أكثر فأكثر،  فبعث الله النبي الأخير خاتم رسله ليقوم بمعالجة تلك الأوضاع الفاسدة وإصلاح الأحوال الاجتماعية والدينية المنحطة، وإنقاذ البشرية المحتضرة من الهلاك والدمار، وأعطاه الكتاب السماوي الخالد "القرآن” ليصبح هاديًا جامعًا للإنسان إلى يوم القيامة، وتكفل الله نفسه بحفظه فقال: ” لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ” (فصلت: 42) ليبقى القرآن يهدي الناس للتي هي أقوم، بجنب تعاليم النبي المرسل الباقية إلى يوم القيامة، لتسلك الأمة المسلمة الصراط المستقيم في ضوء هدايتها بدون تعثر،ولا التفات يمينًا وشمالاً، ولا ينغلق عليها الطريق السوي، وليهلك من هلك عن بينة،ويحي من حي عن بينة، فيهتدي من أراد الهداية الحقة وسعى لها، ويضل من اختار الضلال وتمادى فيه.

وقضى الله تعالى حسب إرادته وقدرته بأن تبتدئ هذه المرحلة الجديدة التي لا يعلمها إلا الله، بهذا النبي الخاتم حامل النبوة الأخيرة والرسالة الأبدية الدائمة الخالدة إلى أن يرث الله الأرض، ثمّ تنهض بعده أمته بإيصال هذه الرسالة إلى العالم كله، فاختار العالم الإنساني بفضل الكتاب الإلهي الذي جاء به النبي العالمي الخاتم، وتعاليمه، وسيرته المثالية الطيبة، وطريقته المستقيمة القويمة، ذلك الاتجاه الذي كان نقطة انطلاق العلم والمعرفة في الدنيا، فأصبح منهجه ونظامه عالميًا، وهذا النظام العالمي ليس ذلك النظام العالمي الذي وضعته القوى الاستعمارية العالمية للسيطرة على العالم، وسمَّته نظامًا عالميًا حسب مطامعها الاستعمارية التوسعية؛ بل إن هذا النظام العالمي كان نظامًا نبويًا إسلاميًا عالميًا، يدعو إلى نشر الخير والفضيلة، ومنع الشر والرذيلة، والمساواة بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، وإعطاء كل ذي حق حقه، حاكمًا كان أو محكومًا، سيدًا كان أو مسودًا، ويدعو هذا النظام النبوي الإسلامي الناس كافة إلى عبادة الله وحده، وقضاء الحياة حسب أوامره ونواهيه بطريقة واحدة، وقد جاء النبي الخاتم بهذا النظام العالمي الشامل الجامع من عند الله إلى عباده أجمعين، وهو صورة صادقة لهذه الآية القرآنية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ،إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ”.