الإسلام في حاجة إلى العمل المخلص

الجماهير المسلمة خير الجماهير في كل مكان
9 جنوری, 2021
الطريق الذي لا مناص للمسلمين من اختياره
4 مارچ, 2021

الإسلام في حاجة إلى العمل المخلص

إن شمول الدين الإسلامي إذا كان يقتضي منا أن لا نقتصر على أداء واجبات العبادات الشكلية وحدها مع الإهمال بجوانب السلوك والاجتماع والفكرة،فإنه يقتضي كذلك لا نقتصر على العمل الفكري والبحث العلمي وحده، مع إهمال جوانب العبادات و تربية القلب، وإن الغلو في جانب من الجوانب يأتي دائماً بالتقصير في الجوانب الأخرى، فإننا إذا كنا نشكو من بعض المسلمين أنهم يتغافلون أو يقصرون في الاهتمام بتطبيق الإسلام على حياتهم تطبيقاً شاملاً،ويكتفون بظاهر العبادات وحده، فإننا بدأنا نشكو أيضاً من رجال الفكر الإسلامي أنهم يضعفون في الاهتمام بالجانب الداخلي من الفرد، ذلك الجانب المهم الذي يقوم مقام الطاقة الكهربائية في قضاء ما يجب نحو امتثال الأوامر الإلهية امتثالاً لائقاً، وبغيرها يصبح الإسلام فلسفة و أفكاراً تسرى في الكلمات والمصطلحات، ولا يرى له أثر في الأعماق، فقد رأينا في التاريخ الإسلامي أن الإسلام البسيط المدعم بالروح قد أتى بالعجائب، و صنع التاريخ، أما الإسلام المدعم بالفكر والمصطلحات العلمية فقد ضعف عن أداء هذا الدور المهم .

نحن لا نريد أن نستهين بقيمة الجهود التنظيرية و الفكرية في سبيل الإسلام، فإن لها أهمية وقيمة لا يستهان بها، و لكنا نريد أن نبدي مخاوفنا من أن لا يكون ذلك على حساب التربية المعنوية الحقيقية ، فإن الإيمان في العقل أمر مهم جداً، ولكن الذي يأتي بالمعجزات هو الإيمان في القلب، وإن القلب يجبر العقل على مسايرته لتحقيق مآربه، ولكن العقل يعجز عن أن يجبر القلب على العمل بغير ما يؤمن به، فإن الاهتمام بإيمان القلب وتربيته أهم، ولا بد أن يكون سهمه أكثر من سهم غيره .

إن الأمة الإسلامية اليوم أصبحت فارغة أوشبه فارغة من الإيمان القلبي، ولذلك لم تعد تصمد أمام هجمات الجاهلية الرعناء، وموجات الغزو الجاهلي الأوربي، وبذلك تتقوض قلاعها قلعة قلعة، فهل يجديها في هذه الحالة جهود المصطلحات والبحوث النظرية كثيراً، كذلك والنعرات و الهتافات المنبثقة منها، التي نسمع ونقرأ دويّها في أقطار العالم الإسلامي .

إن الأمة الإسلامية اليوم في حاجة إلى تربية، والتربية عملية جهد طويلة، لا تنفعها جعجعة ولا صخب، بل إنما ينفعها العمل الصامت الدؤوب، وهي في حاجة إلى أن تكون على منوال العملية التي قام بها الرسول عليه السلام في صحابته رضي الله عنهم، وقام بها صحابته البررة في اتباعه، وهو منوال بسيط غير معقد، عملي أكثر من العلمي، قام على الاهتمام بصلاح القلب و إصلاح النفس قبل إعطاء حلول مفصلة كاملة لقضايا الفكر و العقل، الممكن حدوثها من الحياة الجديدة .

الأمة الإسلامية سائرة اليوم في مجالات الذلة والاستكانة باستمرار، تنهزم أمام الهجمات الجاهلية يوماً فيوماً، و هي حالة  يصعب معالجتها بالألفاظ و البحوث الجافة، وثم إن هؤلاء المهتمين بالألفاظ والبحوث العلمية ليسوا جميعاً ممن يؤمنون بالإسلام، وإن الذين يؤمنون به ليس جميعهم ممن يؤمنون به من قلوبهم، أو أن الإيمان لما يدخل  في قلوبهم، وهذه الظاهرة خطيرة جداً، بدأت تعم في أوساط الفكر العالمية، يجب معالجتها وإصلاحها .

على كل فإن الإسلام في حاجة إلى العمل المخلص، إلى الجهد الصامت، إلى الدعم الصحيح، إلى العملية المشابهة لعملية الجهد الإسلامي الأولى، وهو الحل المفيد في الوضع الإسلامي المتهافت اليوم في العالم.

(محمد الرابع الحسني الندوي)