إنا لفراقك لمحزونون يا أبا جعفر!

مهمة الإعلام الاجتماعي
2 يناير, 2019
مع الأخ الكبير الأستاذ السيد واضح رشيد الندوي رحمه الله في رحلة علمية للدول العربية
2 أبريل, 2019

إنا لفراقك لمحزونون يا أبا جعفر!

كانت اللحظات الأخيرة من فجر يوم الأربعاء التاسع من شهر جمادى الأولى لعام 1440هـ/ السادس عشر من شهر يناير لعام 2019م خبراً مفاجئاً، لغروب شمس أشرقت عالم الحياة بمعالم العلم والإيمان إلى أكثر من ثمانية عقود، ونورت أرجاء القلوب والأذهان خلال ذلك من غير شهرة أو إعلان؛ بل في غاية من الصموت ونوع من السرية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

لم يكن الراحل الكريم من أولئك الرجال الذين يشتهرون بشخصية العلم والأدب، ويحبون أن يعرفهم العالم بمزاياهم وآمالهم، إنما عاش منعزلاً عن كل شهرة، بعيداً عن كل المظاهر والأشكال، ومحباً للدعوة في ركن من دراسة العلوم والآداب والتفكير في مهمات الدين والعلم والحياة، وقد تميز بإيثار الآخرين على نفسه، فكان تفسيراً لقول الله تعالى:” وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ “(الحشر:9) وكلما رأى الفضل في شخص اعترف به برحابة صدر، وتحدث عنه من غير نسيان، ورغم أنه كان قد أصيب بضعف البصر في الأخير إلا أنه كان يعتمد على بعض تلاميذه النجباء في دراسته العلمية وأخبار الحضارات والسياسات العالمية، فيستنتج النتائج من كل نوع،ويتوصل إلى الغايات البعيدة فيما يدور حول العالم من خلال الدول المادية الكبرى التي كانت تتزعمها الولايات المتحدة في جانب، ويجاريها دول الشرق الكبرى التي فوجئت بانهيار سياستها الاشتراكية الشرقية، وفشلت في نظامها الاشتراكي الذي كان يعرف بالاتحاد السوفياتي، ومن ثم كانت نظرته واسعة على تاريخ هذه الدول الكبرى في الغرب والشرق، وما يجري بينهما من منافسات سياسية على جميع المستويات وما يختفي وراءها من إذابة النظم التي كانت تنتمي إلى عقيدة دينية، فكان مطلعاً على النتائج السلبية التي كان يعانيها العالم الثالث والدول النامية التي كانت تعتبر منحازة إلى أي واحدة منهما، كان واسع الاطلاع على مسارات السياسة العالمية والحضارات المادية والنوايا السيئة التي كانت تختفي وراء أستار متعددة من صور ظاهرة للصناعة والتقنية والعلوم الإنسانية.

عشتُ معه في ندوة العلماء نحو نصف قرن من الزمان، وكنا من الباحثين في الآداب العربية ومدرسيها، إلأ أن أخانا الفاضل -رحمه الله تعالى -كان باحثاً عن الأدب الحديث ومناحيه وأساليبه المنوعة الجديدة، وإن كان الآخر دارساً للآداب القديمة وأساليبها العربية الأصيلة التي كان الأدباء القدامى يراعونها ويتمسكون بها تاركين الأساليب الحديثة في العلوم ونقل اللغات الأجنبية إلى لغة عربية حديثة تقارب أسلوب اللغات الأجنبية من الإنجليزية والفرنسية، وعلى الرغم من ثقافته الواسعة واطلاعاته الشاملة على جميع ما يمرّ به العالم الإسلامي وما يجتازه المسلمون من ظروف معادية في جميع أنحاء العالم، كان حكيماً في رأيه، وآخذاً بذيل الاقتصاد والوسطية في أداء واجب الرأي وأمانة القلم، وقد صرح بذلك في مؤلفاته وبحوثه ومقالاته، من غير مداهنة أو انحياز إلى جانب دون جانب آخر، إنه كان يرى كل شيء من خلال تلك المرآة الشفافة التي ورثها من خاله العظيم المفكر الإسلامي الكبير سماحة العلامة الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي (رحمه الله تعالى).

سعدتُ بالمعايشة مع الراحل الكريم أكثر من ستة وأربعين عاماً في العمل الدراسي التربوي في جامعة ندوة العلماء وفي مجال الصحافة العربية فيها، ولكن ما واجهت منه شيئاً من مخالفة في أي رأي أو اقتراح، ولا في خطة متبعة أو عمل روتيني، فكرتُه المتعمقة تتجلى بكل وضوح في إنجازاته التأليفية وفيما كان يكتب من الصور والأوضاع التي كانت تصور الاتجاهات السائدة أو المتجددة في مجال العلم والصناعات السياسية والاقتصادية،أو في مجال التاريخ الإسلامي ومحدثات الأفكار التي تكون من نتاج الدول الكبرى المادية، أو من الثقافات الصناعية المرتجلة، فكان الكاتب العظيم الموفق من الله تعالى يكشف تلك عن النوايا السيئة التي كانت تختفي وراء الستار من فلسفتهم الحضارية التي كانت تستهدف تاريخ الإسلام والمسلمين وتشويه وجوه الصنائع الطبيعية والحضارية التي فطر عليها الإنسان من أول وجوده على هذه الأرض.

كان عبقرياً في كل ما يقوم به من نشاط علمي أدبي أو دعوي أو تحليل للمخططات السرية فكان يخطط الطريق المعتدل السوي الذي تتميز به الأمة الوسط، كأنه يفسر مفهوم قول الله تعالى: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” [البقرة:143] و قد ظل يمثل هذه الشهادة في جميع أقواله وأعماله وفي نشاطاته ومسئولياته، وعاش حياة كلها دعوة إلى التفكير في بناء الحياة على أسس قويمة من العلم والإيمان والحكمة، وكلها مثال للطائفة التي تحدث عنها الله سبحانه وأشاد بها فقال “فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ” [التوبة:122].

هذه انطباعة سريعة فقط على الحادث المفاجئ، وسيكون الحديث عن الشخصية العصامية مفصلاً ومتكرراً بمشيئة الله تعالى.

(سعيد الأعظمي الندوي)

×