وفاة الأستاذ محمد ياسين مظهر الصديقي الندوي

وفاة الشيخ محمد برهان الدين السنبهلي رحمه الله
17 فروری, 2020
وفاة الشيخ يوسف قراجه الندوي
9 جنوری, 2021

وفاة الأستاذ محمد ياسين مظهر الصديقي الندوي

توفي اليوم (يوم الثلاثاء السابع والعشرين من محرم سنة 1442هـ المصادف لـ 15 سبتمبر 2020م) الأستاذ محمد ياسين مظهر الصديقي الندوى، إنا لله وإنا إليه راجعون، مغلقا به باب من البحث والتحقيق، والتنقيب والتمحيص، ولم يمض في السنة الجارية شهر إلا وفجع فيه المسلمون بوفاة متخصصين في شتى مجالات العلم والفن والأدب، وما الحادث الأخير إلا حلقة من تلك السلسلة المشجية المكمدة.

كان الأستاذ الصديقي من كبار الباحثين المحققين في عصرنا، والمعنيين بقضايا الإسلام والمسلمين، مبرّزا على أقرانه في تفقه السيرة النبوية، والتبصر بتاريخ القرون الإسلامية الأولى، وكان مرجعا موثوقا به في موضوعه، كما أنه تميز عن غيره بعلو كعبه في تفسير فكر ولى الله الدهلوي والقيام بدراسات جادة عن حياته وعصره ومعطياته في تجديد العلوم وإحياء الدين.

ولد الدكتور ياسين مظهر صديقي الندوي في26 ديسمبر سنة 1944م، وتخرج في دار العلوم لندوة العلماء، ثم التحق بالجامعة الملية الإسلامية بدهلي، وحاز على شهادة الدكتوراة من جامعة عليجراه الإسلامية، ثم عمل أستاذا بمعهد الدراسات الإسلامية بها وشغل منصب رئيس القسم، وكان يدعى لإلقاء المحاضرات والدروس في جامعات الهند وخارجها، وكان يحضر الندوات العلمية فيثريها بإسهاماته ومشاركاته، ويزيدها بهاءا ورواءا، وكانت الجامعات ومعاهد البحث والتحقيق تستفيد من أبحاثه وخبراته لاسيما في موضوعي السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.

له مؤلفات قيمة في دراسة السيرة والتاريخ الإسلامي من المناحي الجديدة بالأردية، ترجمت بعضها إلى اللغة العربية، منها كتاب "الهجمات المغرضة على التاريخ الإسلامي”، و”قضايا كتابة التاريخ الاسلامي وحلولها”، و”دور الغنيمة في الاقتصاد خلال زمن النبي صلى الله عليه وسلم”، و”المنافسة بين بني أمية وبني هاشم”، ألف هذا الكتاب الأخير ردا على الشبهات المثارة حول حقيقة المنافسة بين بني أمية وبني هاشم، وبيان علاقات المحبة والمصاهرة والتجارة بين الفرعين الماجدين من قريش.

لما أتممت الدكتوراة من جامعة لكنؤ عُهدت إلى الأستاذ ياسين مظهر الصديقي مسؤولية اختباري، فوصلنا إلى غرفة الامتحان وهي مكتظة بالأساتذة وكبار الطلاب، على رأسهم الأستاذ رضوان العلوي رحمه الله تعالى رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة، والأستاذ عبيد الله الفراهي المشرف على مقالي، والأستاذ يونس النجرامي رحمه الله، والدكتور محمد مزمل من قسم الاقتصاد في الجامعة، ولا تزال تفاصيل الامتحان حية متحركة في مخيلتي، وكانت عامة الأسئلة عن مصادر التاريخ الإسلامي وأقدم العلماء المؤلفين في هذا المجال، وكان الأستاذ الصديقي يدافع عن طريقة المؤرخين، وأنا أنتصر لمذهب المحدثين، وكان من أكبر المتحمسين لمحمد بن إسحاق صاحب المغازي، بينما رأيت منهج الإمامين مالك والبخاري في قبول الروايات التاريخية أفضل منهج، وذكَّرته بقول مالك في ابن إسحاق: "دجال من الدجاجلة” فخطَّأ مالكا، ورفع شأن ابن إسحاق رفعا، رحمهما الله تعالى وسائر أئمة المسلمين.

ولقد لقيت الأستاذ الصديقي مرارا في رحاب دار العلوم لندوة العلماء، وفي عليجراه، ورائي بريلي، وعلى فارق ما بيني وينه في السن والعلم فقد أنس بي وحادثني محادثة زميل إلى زميله، بل ومحادثة باحث محقق إلى مستفيديه، وذلك لما أوتي من النضج في فكره والرفق في سلوكه، وكلما جلسنا مجلسا تحول إلى حوار علمي، ولقيته مرة في عليجراه سنة 1985م، فدعاني إلى منزله ونسق مأدبة عشاء في شرفي، واستدعى لها علماء وباحثين، وذكر بهذه المناسبة أن داره دار القلم بمعنى أنه بناها بما تكسب من مال بكتاباته.

وسألته في مقابلة أخرى: ما له لا يضيف نسبة "الندوي” إلى اسمه، فقال: إن هذه النسبة اشتهرت بأمثال العلامة السيد سليمان الندوي وغيره من الأعلام، فرأى في تلقيب نفسه بذلك الاسم الشريف نوعا من الاستكبار والتفاخر.

كلما تحدثت معه في قضية من قضايا العلم وجدته ممن اتصف بالحيادية في الموضوع والاعتدال، وكان يرد على المستشرقين في تمويهاتهم وتشويهاتهم لتاريخ الإسلام ردا قويا، ناذرا على قلمه أن لا يكف عن الدفاع عن تاريخ العرب والمسلمين منزها إياه مما خلط به من باطل أو خداع، وكل ذلك في منهج علمي أكاديمي هادئ، وكان واثقا ببحوثه وتحقيقاته ثقة العالم بعلمه، حرا في آرائه وأفكاره، ومهتما بتحرير الفكر من القيود التي وضعها عليه الأعداء، والأغلال التي كبله بها المستشرقون وأذنابهم.

وكنت أجد في مقالاته وخطاباته جدة الطرح وعمقه، وقوته، وطرافة الدراسة، وندرة طرقها، يعالج القضايا الصعبة والمسائل العويصة في أسلوب علمي راق، في حرص شديد على خدمة العلم والارتقاء بالطلاب إلى مرحلة من البحث أسمى، ومع ذلك فقد اختلفت معه في بعض مواقفه التاريخية، وتفاسيره لمواقف العظماء، وتعليلاته للأحداث الخطيرة.

وكان ذا وجه طلق، موصوفا بالخلق والتواضع، وديعا ألوفا متوددا، طارحا التكلف، وذا نفس باسمة راضية، وعمل طيب، وعقل نظيف، وبواعث طاهرة، بعيدا عن الشذوذ والطمع والشر كل البعد، تجالسه فيزيدك معرفة ودراية، ويضفي عليك سعادة وهناء، فرحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيج جنانه.

 

(د. محمد أكرم الندوي "آكسفورد”)