من النور إلى الظلمات

من أخلاق الإسلام
18 جون, 2022

من النور إلى الظلمات

الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي

إن الدين هو الرادع الأقوى لطغيان الطغاة، وتمرد الماردين، لأنه يحمل التعاليم السماوية، فينظم الحياة الفردية والاجتماعية، ويضع لها أصولاً وحدوداً، ويذكر الإنسان فرائضه و واجباته في حياته، ويحدث فيه الشعور بالمسئولية والإحساس بالنجاح والخسران ليس في هذه الحياة القصيرة وحدها؛ بل بعد الممات أيضاً يوم الدين، ويعلمه التمييز بين الخير والشر، ويوجد في الإنسان العواطف النبيلة للمؤاساة، والإيثار، والقناعة، والرضى بالكفاف، والعمل للثواب عند الله تعالى، ويحدث فيه نفسية للمحاسبة الذاتية التي تمنعه من ارتكاب الجريمة، وتدفعه إلى عمل الخير في السر والخفاء حيث لا يراه الناس.

إن القوة والثروة والغني والقدرة على الانتفاع تحدث في الإنسان الطموح الزائد للمزيد، وتدفع من يملك تلك الوسائل، إلى الطغيان وتحدث فيه التطاول والنخوة والتعالي، فإذا لم يكن لهذه القوة أو الثروة، رادع خلقي أو وازع ديني، فإن هذه القوة أو الثروة تجلب لصاحبها شقاء وعناءاً في الاستزادة منها وطغيانًا على غيره من بني جلدته، ولا يسلب الدين هذه القوة أو الثروة، أو الوسائل من يد من يملكها، ولا يحرمه منها كما تفعل الشيوعية، كذلك لا يترك الدين صاحب هذه القوة أو الثروة حراً يتصرف في قوته أو ثروته، كما يشاء ويطغى فيها، فيعيش كثور لا يهمه إلا أن يملأ بطنه بما شاء، وينطح كل من يعترض سبيله، أو كذئب ليس له إلا الانتهاس والفتك، وإنما ينظم الدين الحياة، وينسقها، ويصلح مسار الحياة، ويبين المزالق، ويضع الحدود ليقف عندها الإنسان، ولا يتعداها، أو يدخل في حمى غيره، لأن الدين يقوم على أساس تصور كون الخلق كله عيال الله، والمجتمع الإنساني كله أسرة واحدة، ويحمل كل فرد من أعضاء الأسرة مسئولية غيره، فيساعد القوي الضعيف بقوته، والغني يساعد الفقير بغناه، والعالم يساعد الجاهل بعلمه، فيكون المجتمع الذي يعم فيه هذا الشعور الإنساني مجتمعاً متكافلاً، ولا تكون فيه فجوات، وإن وجدت هذه الفجوات أزالها من عنده فضل من ماله وقوته وعلمه.

إن المجتمع الذي يفقد فيه الدين تأثيره على النفوس هو مجتمع جامح وهائج لا يسير إلا إلى الفساد سواء كان هذا المجتمع مجتمع الإلحاد، وإنكار الدين وتعاليمه،أو كان هذا المجتمع منطلقاً عن تأثير الدين على الحياة، لا يبالي فيه أعضاء المجتمع بالتعاليم الدينية والأصول الخلقية، ولا تراعى فيه الحدود، وتشتبك في هذا المجتمع المسائل، وتتصاعد المشاكل، فإن بحث عن حل لمشكلة كان هذا الحل مؤقتاً، وأحياناً أدى هذا الحل إلى مشكلة جديدة، مثل العقاقير السامة التي تعالج أمراضاً وتسبب أمراضاً جديدة.

كان المجتمع قبل الإسلام مثل هذا المجتمع الجامح، كانت تتصاعد فيه المشاكل الإنسانية، وكان الإنسان يصطاد الإنسان، وكانت القوى تتصارع فيما بينها، وكان الإنسان وقوداً للنيران التي كان يشعلها الطغاة الماردون.

وقد وصف أحد المؤرخين المجتمع الرومي قبل الإسلام بقوله:

"كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعية للبيزنطيين، فبينما كانت الرهبانية شائعة في طول البلاد وعرضها، كان الناس في جانب آخر حريصين أشد الحرص على كل نوع من أنواع اللهو واللعب، والطرب والترف، فقد كانت هناك ميادين رياضية واسعة تسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرجون فيها على مصارعات بين الرجال والرجال، وبين الرجال والسباع أحياناً أخرى، وكانوا يقسمون الجماهير في لونين لون أخضر ولون أزرق، وكانوا يحبون الجمال، ويعشقون العنف والهمجية، وكانت ألعابهم دموية ضارية أكثر الأحيان.

وكانت عقوباتهم فظيعة تقشعر منها الجلود، وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف والمؤامرات والمجاملات الزائدة وللقبائح والعادات السيئة”.

ويقول مؤرخ عن الإمبراطورية الإيرانية  في العهد القديم:

"انتهكت الأعراض، وعم خلع العذار، ونشأ جيل لا كرامة فيه ولا عمل، ولم يكن له رصيد ولا ماض مجيد، وليس له همّ بمصير الشعب، ولا إشفاق عليه، ولا يتصف بكمال ولا مهارة، كانت تسيطر عليهم اللامبالاة، والبطالة، وكانوا بارعين في النميمة والخبث والافتراء والبهتان، وقد اتخذوا ذلك وسيلة لكسب القوت والوصول إلى الثروة والجاه”.

إن هذا التصوير للمجتمع القديم هو في الواقع تصوير كل مجتمع يقوم بلا أصول وقواعد خلقية، وكل مجتمع يخلو من تأثير الدين، ولا يتمسك بالتعاليم الخلقية، وهو المجتمع الجامح الذي لا يأتي إلا بالطغيان، ولا تصلح فيه الحياة، بل يعم الفساد فيه، وتتفاقم فيه المشاكل، فإذا حلت مشكلة نشأت مشكلة جديدة.

وإذا قارننا الوضع الذي تعيش فيه الإنسانية اليوم، وجدنا أن العالم اليوم بحضارته ووسائله وقدراته يتجه إلى الوضع الذي صوره المؤرخون لعهد ما قبل الإسلام، وإن الحرب التي تجري اليوم على من يريد أن يكون للإسلام تأثير على النفوس، وأن تطبق تعاليمه على النفوس، وأن تطبق تعاليمه ومثله وأصوله على الحياة، ستوصل الإنسانية إلى تلك الهاوية التي كانت قائمة قبل الإسلام، وإلى حياة شبه إلى حياة الغاب.

إن الثقافة ليست علوماً وأفكاراً، وإنما هي مناهج الحياة، وسلوكيات الإنسان والفارق الرئيسي بين المثقف وغير المثقف هو أن المثقف له حدود وقواعد مقررة ينطلق منها وغير المثقف هو الذي يركب نفسه ويخلع عذاره ويتبع هواه.

إن الحضارة المعاصرة التي تحارب الدين وأصوله،وتسوق الإنسان إلى اللامبالاة، وإلى انحلال عن كل قيد وتحفظ، وإلى عدم الالتزام بالمبادئ في الحياة هي حضارة تقود الإنسان إلى حياة الغابة، إلى حياة الذئاب، والفئران، والكلاب وإن كانت على أجسادهن ثياب مزركشة، وفي أعناقهن ربطات مذهبة زاهية الألوان، و)أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ( (الأعراف :179)

لقد فسد المجتمع الأوربي حقاً فساداً لا حد له، وتفكك لانسلاخه من القيم والمبادئ، ويشعر العلماء والمربون بذلك الخواء، ويتكهن بعض الفلاسفة أن ذلك المجتمع يسير إلى الفناء، وقد صرح رجاء جارودي وهو خبير الحضارة الغربية، أن طريق الحضارة الغربية مسدود، وهو أمر لا يخفى على أحد، فنسبة الانتحارات والاعتداءات وانتهاك الأعراض، ونسبة الجرائم، ترتفع كل يوم، وليس هذا الارتفاع ظاهرة المدن أو البلدان المتخلفة التي تنتشر فيها الجهالة أو توجد فيها كثافة السكان، وإنما ترتفع وتزداد نسبة الجرائم في موسكو، ونيو يورك وواشنطن، ولندن وباريس، وبرلين، وفي مدن إيطاليا، وأسبانيا، واليونان، حيث يغلق الناس أبواب بيوتهم قبل المساء، ويخاف المارة أن يعتدي عليهم أحد، وبتأثير هذه المدن والمجرمين الذين ينشأون فيها تفسد الأوضاع في الدول المتخلفة أيضاً حيث كان الناس متمسكين بالقيم الروحية، لأن العصابات الإجرامية في هذه الدول تصدر الأسلحة، وتربى الأبرياء على ارتكاب الجرائم، ولأن إعلام الدول المتقدمة المنحلة خلقياً يغزو العالم الشرقي، ولا يخفى على أحد أن أكبر إرهابي في العالم وهو معروف بإرهابه وذكائه الإرهابي هو أوربي، وليس بشرقي، وأكبر عصابات الإرهاب مصدرها البلدان الأوربية.

أما الحياة الخلقية النبيلة والعلاقات بين الإنسان فهي كعنقاء مغرب، وتعكف أوربا على قلب الأوضاع في سائر أنحاء العالم، فتحارب القيم، وتعقد المؤتمرات والندوات لإشاعة الفحشاء، وتوجه تعليمات إلى الحكام في البلدان الضعيفة التي تعيش على فتات مصانع أوربا، وصدقاتها لتقضي على كل اتجاه لتنظيم الحياة على أساس الأصول والمبادئ، وإذا تحقق هذا المخطط التخريبي للأخلاق، فإن العالم سيعود إلى ما كان عليه قبل عهد النور.

)اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(. (البقرة:257). ( الرائد، السنة: 36، العدد :5، 1994م)