التكافل والإغاثة في السنة المطهرة

كان ظهور الإسلام فتحًا لعالم جديد
4 أبريل, 2023

التكافل والإغاثة في السنة المطهرة

الدكتور راغب السرجاني

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة والمثل في كل أمر، وفي أمر إغاثة الملهوفين، ونجدة المكروبين، فعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس،

وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ الله رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيِ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا».

وهذا لشدَّة إغاثته صلى الله عليه وسلم للناس، وخوفه عليهم، وحفظه لهم، ثم هو يُعلِّم المسلمين أن يكونوا كذلك.

كما كان صلى الله عليه وسلم يحثُ على التكافل، ويمدح من يقوم بذلك؛ فعن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءِ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ قال في الفتح: أي هم متصلون بي… وذلك غاية الشرف للمسلم.

وفي حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على قوَّة الترابط بين المؤمنين فيشبههم بالبناء المتماسك فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِن كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وعند البخاري: «ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ…». والتشبيك بين الأصابع هو بيان لوجه التشبيه أيضًا، أي يشد بعضهم بعضًا مثل هذا الشدّ، قاله ابن حجر. ومعلوم أن البنيان كما يشد بعضه بعضًا، قد يهدم بعضه بعضًا؛ فإنه إِنْ ضعف بعضُ البناء يؤثر ويُضعف بقيَّته، ولا يبقى للجانب القوي نفع إن تهدم الجانب الضعيف، وكذلك المسلم مع أخيه إن تَرَك أخاه يضعف ويسقط، لا تبقى له قيمة في الحياة.

كما يُرْوَى عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

قال النووي رحمه الله: «في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زَلاته، ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته، والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته». وهذا صريح في أنَّ التكافل، وإغاثة الملهوف من حقوق الأخوَّة الإسلامية التي شدَّد الرسول صلى الله عليه وسلم عليها كثيرًا.

وقد قال ابن تيمية رحمه الله حول نفس المعنى «إغاثة الملهوف»: «… ثم كل نفع وخير يوصله (أي الحاكم إلى الخَلْق هو من جنس الزكاة، فمن أعظم العبادات سد الفاقات، وقضاء الحاجات ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف». فانظر إلى الإمام الفقيه ابن تيمية وقد جعل إغاثة الملهوف من أعظم العبادات وذلك فهم عظيم للإسلام.

وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إغاثة الملهوف حقا واجبًا على من يعرف حاله أو يَرَاه، وليس على الحاكم فقط؛ فها هو ذا صلى الله عليه وسلم يرشد أصحابه ويوجههم إلى إعطاء الطريق حقَّه، ويذكر منها: إغاثة الملهوف؛ فعن الْبَرَاء قَالَ: مَرَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوم جُلُوس فِي الطَّرِيقِ قَالَ: إِنْ كُنتُمْ لا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَاهْدُوا السَّبِيلَ وَرُدُّوا السَّلَامَ وَأَغِيثُواً الْمَظْلُومَ»، وعند ابن حبان وَأَغِيثُوا المَلْهُوفَ.

وقد بوَّبَ البخاري بابًا في الأدب المفرد:سمَّاه: باب ما يجب من عون الملهوف، أورد فيه عن أبي ذَرِّ: سُئِل النبي له الله: أي الأعمال خير؟ قال: «إيمان بِاللهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ». قال: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». قال: أفرأيت إن لم أستطع بعض العمل؟ قال: «تُعِينُ ضَايِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ». قال: أفرأيت إن ضعفت؟ قال: (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ». ففى قوله صلى الله عليه وسلم: «تُعِينُ ضَايعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ» إرشاد إلى إغاثة مَن لا يستطيع قضاء حاجاته، وهذا هو جوهر إغاثة الملهوف. وقريب منه ما رُوِيَ عن سعيد بن أبي بردة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ». فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ». قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ». قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ». وفي حديث آخر أن إغاثة الملهوف تُعَدُّ صدقة من الإنسان على نفسه، فعَنْ أبي سلام قَالَ أبو ذر: «عَلَى كُلِّ نَفْسٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلَعَتْ فيه الشَّمْسُ صَدَقَةٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ أَتَصَدَّقُ وَلَيْسَ لنا أَمْوَالُ؟ قَالَ: «لأَنَّ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ التَّكْبِيرَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرُ الله، وَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْزِلُ الشَّوْكَةَ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَالْعَظْمَ وَالْحَجَرَ، وَتَهْدِي الأَعْمَى، وَتُسْمِعُ الأَصَمَّ وَالأَبْكَم حَتَّى يَفْقَهَ، وَتُدِلّ الْمُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَةٍ لَهُ قَدْ عَلِمْتَ مَكَانَهَا، وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيف، كُلُّ ذَلكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ…»؛ فالرسول الله أراد أن يوضح لنا مفهوم الصدقة الحقيقية التي تدفعها عن أعضائك، وعن النعم التي مَنَّ الله بها عليك، وهي مساعدتك لغيرك، وأن تشعر بالمسئولية تجاه الناس في المجتمع الذي تعيش فيه، أو الأمة التي تحيا فيها.

فهذا حديث جامع لكثير من أبواب الخير التي على المسلم أن يطرقها، وإذا تدبرنا في. هذا الحديث رَأَيْنَا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر في بدايته أبواب الخير اللازمة النفع؛ أي تلك التي لا يتعدَّى نفعها الإنسان إلى غيره، بل هو وحده المنتفع بها كالتكبير والتحميد والتهليل والاستغفار، ولكنه صلى الله عليه وسلم ذكر بشيء من التفصيل ما يعود نفعه إلى المجتمع، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد ذكر بابًا واحدًا من الأمور اللازمة النفع هو الذكر بأنواعه، فقد ذكر صلى الله عليه وسلم ثمانية أبواب ينتفع بها المجتمع، وهذه الأبواب الرائعة في الخير تؤصل معنى التكافل والترابط والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد، إنها علامات حضارية بارزة سبق بها الإسلام كل النظم والقوانين التي أولت هذا الأمر اهتمامًا بعد ذلك، فمَنْ كان يَسْمَع عن هداية الأعمى، وإسماع الأصم والأبكم؟

إن هذا الأمر من رسول الله لعل الله يحمل في طيَّاته الاهتمام بأصحاب الحالات الخاصَّة في المجتمع، ثم إن هداية الأعمى لا تقتصر على المرور به من الشارع فحسب بل إن ذلك يتطلب جهودًا مؤسسيَّة ومنهجيَّة لتعليم هذه الفئة، والأخذ بأيديهم، وابتكار ما يمكن لإرشادهم وضمان أمنهم، كما تتضمن إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إسماع الصم والبكم إنشاء مدارس لتعليمهم والاهتمام بهم وعدم إهمالهم، ويصرح الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الإغاثة حين يقول: «وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ).

قال الفقهاء: يجب على كل مسلم محاولة دفع الضرر عن غيره، فيجب قطع الصلاة لإغاثة ملهوف وغريق وحريق فيُنقذه من كلِّ ما يُعرّضه للهلاك، فإن كان الشخص قادرًا على ذلك دون غيره فُرِضَتْ عليه الإغاثة فَرْضَ عَيْنِ، أمَّا إذا كان هناك مَن يقدر على ذلك، كان ذلك عليه فرض كفاية، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء.

وقد استقرَّت قيمة هذا الخلق عند الأفاضل من الناس؛ فقد قيل للأحنف: ما اللؤم؟ فقال: الاستفضال على الملهوف. أو الاستعصاء على الملهوف.

وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقصير القادرين في قضاء حوائج الناس، قَالَ عمرو ابن مرة لمعاوية: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلا أَغْلَقَ اللَّه أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ». قال: فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلاً عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. وهذه هي الاستجابة التي يجب أن يتميّز بها المسلمون لأوامر نبيهم كما أنَّ في عدم التكافل والإغاثة والنصرة خذلانًا للمسلم، وفيه ما فيه من العقاب من رب العالمين سبحانه وتعالى، ومن ثَمَّ كان تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم شديدًا لمن تقاعس عن نصرة أخيه المسلم؛ فعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة الأنصاري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِن امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأَ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعِ تُنتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِن يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِع يُنتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِن يُحِبُّ نُصْرَتَهُ».

إنَّ منهجًا هذه مبادِتُه في أمر التكافل والإغاثة كفيل إن طبق أن يحقق المساواة والعدل والحب والإخاء بين أفراد المجتمع الإنساني كله.

×