منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (2)

كيف ينظر العالم إلى جزيرة العرب وماذا يؤمل منها؟
9 جنوری, 2022
من راقب الناس ازداد خبرة ومعرفة
9 جنوری, 2022

منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (2)

الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي

التعريب: محمد خالد الباندوي الندوي

وقد وهب الله سبحانه الشيخ الندوي نصيبًا أوفر من الحكمة، ورزقه ملكة صالحة للدعوة والإصلاح وخبرة تامة بأساليبها ومعالجة أمورها، فإنه كان يجهر بالحق، ويخاطب الأمة بكل جرأة لا يخاف في سبيله لومة لائم، ويصدع بكلمة الله علنا وجهارا، لكن بالحكمة والموعظة الحسنة، فيوقع أوتار النفوس، ويقع كلامه منها موقعا حسنا، فتنجذب إليه القلوب وتصغي إليه الآذان، خاطب العامة والخاصة والأمراء والدهماء فاكتسب بسحر كلامه وتأثيره وفوق ذلك بزهده وعفافه عن حطام الدنيا والرغبة عما أيديهم من المال وزخارف الحياة، ويتجلى ذلك من مظاهر حياته البسيطة الساذجة.

ولما اشتعلت نيران القومية العربية في العالم العربي، فنهض الشيخ الندوي يقاوم تلك الفتنة القومية، وقام بالنقد البناء الهادف على جمال عبد الناصر داعية القومية العربية، كما قام بالنقد الشديد على فتنة كمال أتاتورك بكل جرأة ومنهجية، إلا أنه لم يندفع الى إحداث ثورة في أوساط الدولة وأعيانها لأنه كان في نقده متأسيا بقول الله سبحانه على لسان سيدنا شعيب عليه السلام:إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت واليه انيب ".

وقد خرج بمنهج أفضل وأصلح للأمة والعاملين في مجال الدعوة والإرشاد، وهو التركيز على إيصال الايمان إلى الحكام، بدل التركيز على وصول جماعة مؤمنة إلى كراسي الحكم، وكان يقول: إن هولاء الحكام اذا خافوا على أنفسهم أوانقراض دولتهم فإنهم يؤثرون كسر كرسي الحكم بدلا أن يتنازلوا عنه لغيرهم، وذلك – لا شك -يؤدي إلى إخلال في الأوضاع وإفساد في المجتمع وإزهاق للنفوس والأرواح. فكان يرى من الأنسب والأصلح أن تتركز العناية على إيصال الإيمان إلى الحكام وأصحاب المناصب العليا، ومما ساعد على نضوج هذه الفكرة لديه تجربة الإمام السرهندي الذى غير الوضع بمنهجه السليم وأحدث انقلابا سلميا طوعيا في عصرالإلحاد والزندقة، وبفضل حكمته وجهوده الصالحة شاء القدر أن يتربع على عرش الدولة المغولية السلطان الصالح العادل أورنك زيب عالمكير.

تمتاز جهود الشيخ الندوي بالشمول والسعة والتفنن، فقد كان معلما ناجحا، مربيا محنكا، مصلحا مؤمنا، ومن كبار قادة الفكر الاسلامي وأماثل العلماء في عصره. واستفادت الأمة الإسلامية بعلمه الغزير وفكره الاسلامي الحصيف، ومناهج تربيته الدينية المتزنة بالتوحيد الخالص النقي.

ولانبالغ اذا قلنا: إنه من كبار الشخصيات الإسلامية في القرن العشرين بناءا على جمعه العادل بين القديم والجديد، بين الأصالة والمعاصرة، بين العقل والنقل، بين الدين والدنيا وبين العلم والايمان، وبين الثبات والتطور، قلما نجد ذلك عند غيره من الدعاة والمصلحين.

الدعوة الدينية

الدعوة الدينية شعار هذه الأمة ودثارها، وقد نيط بها وجود أمة تحمل مسؤلية القيادة والوصاية للعالم البشري، وقد نسيت الأمم الغابرة قبل الأمة المحمدية أو أعرضت عن تلك الوظيفة التى ألقيت على كواهلها وورثتها بعد الأنبياء، إلا أن الأمة الإسلامية قامت بالحفاظ على كل ركن من أركان الدين الإسلامي، وتعاليمه السمحة، وواجه علماؤها ودعاتها وأصحاب الإصلاح والتجديد كل فتنة ألمت بالامة المسلمة في تاريخها الطويل، وقاموا بإنشاء المجتمع الاسلامي المثالي وإقامة الدين فيه على أسس متينة ثابتة، وضحوا بكل نفيس وغال من أجل تعميقه في القلوب وترسيخ دعائمه في النفوس، بجانب تقديم دعوة التوحيد ونظامه الحي الخالد إلى من لا يعرفها ويجهل أهميتها وقيمتها ورسالتها في الحياة، حتى أقبلوا عليه وعرفوا قيمتها وأهمية رسالتها فاعتنقوا الدين الإسلامي، واتسعت بذلك رقعة الدولة الإسلامية وقد ظل عمل الدعوة الإسلامية وتوسيع نطاقها مستمرا في كل زمان بسرعة تارة والبطء أخرى إلا أنه لم يتوقف في كل فترات التاريخ الاسلامي قط، ولم يتعرض للجمود والركود والتعطل، مواجها الأعاصير الشديدة وعواصف المقاومة الهوجاء.

بنى الشيخ الندوي مثل سلفه الصالح منهجه في الدعوة والإصلاح على الأسس الإسلامية المتينة وبجانب هذا المنهج اهتم _ رحمه الله_ بالحكمة والموعظة الحسنة ممتثلا للحكم القرآني: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنةوجادلهم بالتي هي أحسن "

وقد قام العلماء وأصحاب الدعوة والتجديد بواجبهم الديني عاملين بتوجيهات القرآن والسنة الرشيدة ومراعين لأوضاع كل عصر وملابسات كل بيئة.

واذا ذهبنا نستعرض تاريخ الدعوة والإصلاح والتجديد وجدنا أن مناهج الدعوة الإسلامية ظلت مختلفة باختلاف العصور والبلاد ومتطورة بتطورات الحضارات والثقافات، ببقاء الدين الإسلامي على أصالته ونزاهته وشدة التمسك بأصله وجوهره، فالدعوة الإسلامية قامت بمراعاة الطبيعة البشرية والعوامل والأحداث، واعتبرت التطور عاملا طبيعيا، فوضع المناهج الدعوية وفق تقلبات العصر وأحداثه أمر لابد منه في سبيل نشر الدعوة لأن الغفلة أو التجاهل عنه يفضى بعمل الدعوة إلى أزمات شديدة وخسارة فادحة.

دعوته إلى الاعتدال في الفكر والسلوك

واذا قمنا باستعراض مدارس الفكر الاسلامي المعاصرة في الهند وجدناها تنقسم إلى ثلاث: فأما المدرسة الأولى فإنها تهدف إلى إصلاح القلوب وتهذيب النفوس وتعتقد النقص في جانب الأخلاق والغفلة عن مقومات الأمة المعنوية سببا قويا في تخلفها وانحطاطها، وأما المدرسة الثانية فإنها تؤثر منهجية المقاومة وتري تقدم الأمة وازدهارها في الجدال والخصام، وتستدل بأن الحق لا يغلب عليه شيئ، فلابد من بذل الجهود والمحاولات لكي يغلب الحق وتكون كلمة الله هي العليا، مهما كانت الأحوال والظروف، ومهما كانت الوسائل والأسباب، فإنها لا تعطي عناية كبيرة بدراسة الأسباب والعوامل في تخلف الأمة وتدهورها، وأما المدرسة الثانية التي يرأسها الشيخ الندوي فإنها المدرسة التي تقوم على الوسطية والاتزان في الفكر والسلوك، في الدعوة والإصلاح وتدعو إلى الجمع العادل بين الدين والدنيا والعلم والعمل وبين الأسباب والغايات وبين الأصالة والمعاصرة وبين العناية بتزكية الروح وإصلاح الباطن وبين بذل الجهود لإقامة دين الله في أرض الله، وإنها لفكرة معتدلة متزنة جامعة شاملة دعا إليها الشيخ الندوي في كتاباته ومؤلفاته وخطبه ومحاضراته، وقدم لنا بحياته المتسمة بالوسطية والاعتدال نموذجا عمليا واقعيا وسعى لبث فكرتها بين العلماء والمفكرين والقادة والزعماء.