الحدود على الجرائم الخُلُقية

منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة (3)
21 فروری, 2022
"النبوة والأنبياء في ضوء القرآن” للشيخ الندوي في رأي أحد الباحثين المعاصرين
21 فروری, 2022

الحدود على الجرائم الخُلُقية

الشيخ محمد الغزالي

الإكراه على الفضيلة لا يصنع الإنسانَ الفاضل، كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن، فالحرية النفسية والعقلية أساسُ المسؤولية.

والإسلام يُقدِّر هذه الحقيقةَ ويحترمها وهو يبني صَرْح الأخلاق، ولماذا يلجأ إلى القَسر في تعريف الإنسان معنى الخير، أو توجيه سلوكه إليه، وهو يُحسِن الظنَّ بالفطرة الإنسانية، ويرى أن إزاحة العوائق من أمامها أدعى لإيجاد جيلٍ فاضل؟

إن فطرة الإنسان خيِّرة، وليس معنى هذا أنه ملاك لا يُحسِن إلا الخير، بل معنى هذا أن الخير يتواءم مع طبيعته الأصلية، وأنه يُؤْثِر اعتناقه والعمل به كما يؤثِر الطير التحليق، إذا تخلَّص من قيوده وأثقاله.

فالعمل الصحيح في نظرِ الإسلام هو تحطيم القيود وإزالة الأثقال أولاً، فإذا جثَم الإنسان على الأرض بعدئذٍ، ولم يستطع سموًّا، نُظِر إليه على أنه مريض، ثم يُسِّرت له أسباب الشفاء.

ولن يُصدِر الإسلام حكمًا بعزل هذا الإنسان عن المجتمع إلا يوم يكون بقاؤه فيه مثارَ شرٍّ على الآخرين.

في حدود هذه الدائرة يُحارِب الإسلام الجرائم الخُلُقية، فهو يفترض ابتداء أن الإنسان يجب أن يعيش من طريق شريفة، وأن يحيا على ثمرات كفاحه وجُهده الخاص؛ أي: إنه لا يبني كِيانه على السرقة.

ما الذي يحمله على السرقة؟ احتياجه إلى ما يُقيم أودَه؟ فليوفَّر له من الضرورات والمرفَّهات ما يُغنيه عن ذلك.

وتلك فريضة على المجتمع، إن قصَّر فيها فألجأ فردًا إلى السرقة، فالجريمة هنا يقع وزرها على المجتمع المفرِّط، لا على الفرد المضيِّع.

فإن كُفِلت للفرد ضروراته ثم مدَّ بعد ذلك يده، مُحِّصَت حالته جيدًا قبل إيقاع العقوبة عليه، فلعل هناك شُبهة تُثبِت أن فيه عرقًا يَنبِض بالخير، والإبطاء في العقاب مطلوبٌ دينًا، إلى حد أن يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: "إن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقاب”.

فإذا تبيَّن من تتبُّع أحوال الشخص، أن فطرته الْتاثَتْ، وأنه أصبح مصدرَ عدوانٍ على البيئة التي كفلته وآوتْه، وأنه قابَلَ عطْفها وعنايتها بتعكير صفوها، وإقلاق أمنها، فلا ملام على هذه الفئة إذا حدَّت من عدوان أحد أفرادها، فكسرت السلاح الذي يؤذي به غيرَه.

وقد وصَف القرآن اللصوصيَّة التي تستحِق قطع اليد، بأنها لصوصيَّة الظلم والإفساد، وقال في هذا السارق المعاقَب:

"فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” [المائدة: 39].

فالحدُّ الذي شرَعه الإسلام، هو وقايةٌ للجماعة العادِلة المُصلِحة، من ضراوة عضو فيها يقابِل عدالتها بالظلم، ويقابِل إصلاحها بالفساد.

ذلك مَثلٌ نسوقه لنبيِّن به الحدود على الجرائم الخُلُقية، لم تُشرَع إكراهًا على الفضيلة، وإلجاء للناس – بطريق القسوة – إلى اتخاذ المسالك الحَسنة.

فالطريقة المُثلى لدى الإسلام هي خطاب القلب الإنساني، واستثارة أشواقه الكامنة إلى السمو والكمال، ورجْعه إلى الله بارئه الأعلى، بأسلوب سائغ من الإقناع والمحبَّة، وتعليقه بالفضائل الجليَّة على أنها الثمرة الطبيعية لهذا كله.

ويجب التحكُّم في ظروف البيئة التي تكتنِف الإنسان؛ حتى تُعين على إنضاج المواهب والسجايا الحسنة.

ولا حرَج من خلْع الطفيليَّات التي لا فائدة منها، فنحن في حقول الزراعات المختلفة نودُّ النماء للمحاصيل الرئيسة، باقتلاع كثيرٍ من الحشائش والأعشاب!!

وليست المحافظة على مصلحة الإنسانية العامة بأقل خطرًا من ذلك، فلا وجه لاستنكار الحدود التي أقرَّها الإسلام، وسبقت بها التوراة، واعتبرت شريعة الأديان السماوية عامة.

والإسلام يحمل البيئة قسطًا كبيرًا من تبعة التوجيه إلى الخير أو الشر، وإشاعة الرذائل أو الفضائل.

واتجاهه إلى تولي مقاليد الحكم يعود – فيما يعود إليه من أسباب – إلى الرغبة في تشكيل المجتمع على نحو يعين على العفاف والاستقامة.

وقد روى النبي عليه الصلاة والسلام قصة القاتل الذي يبتغي التوبة من جرائمه، وأنه "سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، من يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء”(1).

وفي رواية أنه أتى راهبًا فسأله: "هل تجد لي من توبة؟ فقال له: قد أسرفت وما أدري، ولكن هاهنا قريتان، قرية يقال لها نضرة، والأخرى يقال لها كفرة، فأما أهل نضرة فيعملون عمل أهل الجنة، لا يثبت فيها غيرهم، وأما أهل كفرة فيعملون عمل أهل النار لا ثبت فيها غيرهم، فانطلق إلى أهل نضرة، فإن ثبتّ فيها وعملت عمل أهلها، فلا شك في توبتك!!…”(2).

من هنا يرى الإسلام أن ملاحظة البيئة وتقدير آثارها في تكوين الخلق عامل ينضم السليمة، وتهذيب الأهواء الطائشة.

ويظن أن في العناية بهذه النواحي جميعًا ضمانًا لإيجاد مجتمع نقي يزخر بأزكى الصفات وأعف السير.

الهوامش:

  1. رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري، 4/174، حديث رقم (3470).
  2. رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو، 13/34.