الصامدون في وجه الاستعمار (2)

من الجزيرة العربية إلى العالم
27 مئی, 2021
شعائر الله تعالى وتعظيمها (5)
27 مئی, 2021

الصامدون في وجه الاستعمار (2)

نشر التعليم الديني، والعناية بالتربية الإسلامية:

كانت هذه الجهود نواة لحركة الاستقلال الهندية، ومقاومة الحضارة الغربية، وقد كانت هذه الحركة شاملة للجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية، فوجه هؤلاء العلماء دعوة إلى كل ما يمت إلى الغرب بصلة، ولما فشلت حركة المقاومة العسكرية، ورسخت أقدام الإنجليز، وأنشأوا نظامهم التعليمي في مختلف مدن الهند لتنشئة الجيل الجديد، وقاموا بتطويق العلماء والصالحين، وقطعهم عن عامة المسلمين توجهت عناية هؤلاء العلماء إلى فتح مدارس دينية للحفاظ على العلوم الإسلامية وتنشئة علماء يكافحون خطر الغزو الفكري، ويردون على الشبهات التي كان ينشرها المبشرون، وانتشرت هذه المدارس في مختلف أنحاء الهند، أقدمها دار العلوم بديوبند، ثم تلت مدارس مظاهر علوم بسهارنبور، ودار العلوم ندوة العلماء بلكناؤ، وبالإضافة إلى المدارس للعلوم الإسلامية أنشئت دور الطبع والنشر لطبع الكتب الإسلامية والبحث والتحقيق حول الموضوعات الإسلامية، وعلق العلماء على الكتب في العلوم الإسلامية، ونقلوها إلى اللغات الهندية، وقاموا بتسهيلها وتيسيرها للاستفادة، وأصدرت بعض المؤسسات العلمية والشخصيات الإسلامية مجلات وصحف لنشر الفكر الإسلامي، ومكافحة ما تروجه وسائل الإعلام المعادية للإسلام، واحتلت هذه المجلات والصحف مكانتها لأنها كانت على المستوى الأدبي والعلمي الرفيع، وكان يكتب فيها علماء وأدباء أوربا،وصحفيون إسلاميون كانوا على خبرة ومعرفة بالحياة المعاصرة، والقضايا المعاصرة، وصدرت هذه الكتب والمجلات في لغات الهند المختلفة، فكان لها تأثير ساحق على الفكر الهندي.

وعلاوة على ذلك اختار العلماء أسلوباً آخر لتعبئة الرأي العام علاوة خطب الجمعة وهو عقد اجتماعات دينية حاشدة في مختلف أنحاء الهند، حتى القرى والأرياف، ومؤتمرات عامة، وكان لها تأثير على الشعب، ثم قام العلماء بإعداد كتب دراسية لتدريسها في المدارس الجديدة، ولعبت هذه المدارس الدينية دوراً رائداً في الاحتفاظ بأصالة العلوم الإسلامية، وشرحها ونقلها إلى اللغات المحلية، وتحملت شدائد في الاحتفاظ ببقائها كما لعبت دور الإفتاء في هذه المدارس دوراً بارزاً في إرشاد المسلمين، وحل مشاكلهم في الحياة في ضوء الشريعة، وقد احتفظت هذه المؤسسات بحريتها واستقلالها وأصالتها، لأنها لم تقبل أي معونة من الحكومات، بل اعتمدت على الشعب المسلم مهما كلف ذلك من شدائد في تحمُّل المصارف، وذلك لأن المسئولين عنها واصلوا جهدهم بقناعة، واكتفوا بالكفاف، والاستغناء، ولم يمدوا أيديهم، بل قاموا بأعمالهم بكل غيرة وشهامة، وحلم وأناة، ويكمن في ذلك سر بقاء هذه المؤسسات على أصالتها، ووجه هؤلاء العلماء اهتمامهم إلى تربية الشعب المسلم تربية دينية وتثقيفه بالثقافة الإسلامية في العلم، وآداب الحياة، فلم تغمرهم الحضارة الغربية، كما غمرت الشعوب المسلمة في البلدان الإسلامية الأخرى حيث ذابت الثقافة الإسلامية، وصهرت في بوتقة الحضارة الغربية.

وقد برز في مقاومة الحضارة الغربية علمياً وفكرياً وأدبياً بجانب العلماء رجال نشأوا في الأوساط الغربية، الذين عرفوا حسناتها وسوءاتها كالدكتور محمد إقبال، والشاعر المسلم أكبر إله آبادي، فانتقدوا الحضارة الغربية بمعرفة وتجربة، كما قام العلامة شبلي النعماني، والسيد سليمان الندوي، والشيخ عبد الماجد الدريابادي، والشيخ عبد الباري الندوي، والأستاذ أبو الأعلى المودودي، والشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، بالرد على الحضارة الغربية بفضل دراسة الحضارة علمياً، فألفوا مؤلفات قيمة حول موضوعات تتصل بالحضارة الغربية، والحضارة الإسلامية، والكشف عن أباطيل المستشرقين، وعرضوا الإسلام بأسلوب معاصر.

وقد كان لهذه الجهود التي قام بها العلماء سياسياً وثقافياً وعلمياً تأثير كبير على العقول في إعادة الثقة بالإسلام، والاعتزاز بتاريخه، والإيمان بصلاحيته للبقاء، وترسيخ التصور عن زيف الحضارة الغربية، والتوجيه إلى طريق العودة إلى الإسلام.

محمد واضح رشيد الحسني الندوي رحمه الله تعالى