شعائر الله تعالى وتعظيمها (7)

يجب أن يمثل البلد الأمين الحياة الإسلامية
26 جولائی, 2021
الصامدون في وجه الاستعمار (4)
26 جولائی, 2021

شعائر الله تعالى وتعظيمها (7)

النبيُّ الأكرم محمدصلى الله عليه وسلم يُعدُّ من شعائر الله تعالى، إنه رحمة مهداة للعالم كله، ومصدر كل خير وبركة وسعادة للإنسانية جمعاء، وقد جعله الله تعالى رحمة للعالمين، فقال: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” [ الأنبياء:107].

فإن الإنسانية كلها في الواقع مُدِينة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما تنعم به وتسعد، فأصبح المؤمنون به عباد الله تعالى، وأما الذين لم يؤمنوا به، فإنهم أيضًا قد نالهم خير البعثة المحمدية بحيث تعلموا بفضل بعثته آداب الحياة، لأن الإسلام دين جامع يشمل الحياة الإنسانية كلها، قد روعى فيه مراعاة كاملة لسائر شعب الحياة وجوانبها المختلفة، بينما تنحصر الأديان الأخرى في نطاق التعبُّد والتحنُّث فحسب، لأن هذه الأديان جعلت الإنسان خارج نطاق التعبُّد أحراراً يفلعون ما يشاؤون، لا ترشدهم في مجالات الحياة الأخرى، فإن الإسلام تتميز من بينها بأنه يرشد ويهدي الإنسان فيما يحتاجه في سائر شعب الحياة، ولا يكتفي بإصدار الأوامر أو الإرشادات والأحكام، بل يلزم على أتباعه العمل بها، فبالتالي يتقدم المجتمع الإنساني ويزدهر، وكلما وقع في أتباعه تقصير وتكاسل في العمل بتعاليم الإسلام قيض الله تعالى في كل مكان علماء مصلحين، وصلحاء وأتقياء لا يحصى عددهم، ليكونوا مثلا حسنًا للآخرين يحتذى، وتسير الإنسانية على طريق مستقيم، وتكون الأوضاع حسنة وصالحة.

التأثير الطبيعي للإسلام:

إن الدين الإسلامي نظام فطري تأثَّر به غير المسلمين أيضًا تأثُّرًا كبيرًا وانتفعوا به انتقاعًا، فلولم يكن المسلمون لساءت أحوال غيرهم أسوأ وأحطّ، ولاريب في أن كثيرًا مما يتصفون به من محاسن وخصائص كريمة، هي نتيجة لتعايشهم مع المسلمين، فإن لم يؤمنوا بالإسلام، لكنهم تأثروا به غاية التأثر في مختلف شعب الحياة.

وكان الناس في بلدنا قبل وصول الإسلام إليه في أسوأ حال، وأحطّ وضع، يعيشيون عراة حفاة، وحياة رهبانية، وفوضى خلقية، وتقشف، بل يعيشون حياة البهائم، ولم تكن لديهم آداب للأكل والشرب واللباس، ولكنهم لما رأوا الحضارة الإسلامية تعلموا كثيراً من المسلمين وأخذوا منهم، فإن ذلك يدلُّ على أن الإسلام كما أفاد أتباعه، نفع غيرهم أيضًا نفعاً كبيراً.

واقرأ تاريخ أوربا وأوضاعها قبل احتكاكها بالمسلمين، تجد أحوالها أسوأ مما يتصوره العقل، كان كسب العلم جريمة لا تغتفر، وكانت القيود مفروضة على كسبه، وكانت للكنيسة جولة وصولة وسيطرة  حتى أن الملوك أيضاً كانوا مضطرين للخضوع أمامها، وإذا علمت عن أحد تعلُّم العلم، عذَّبته عذاباً شديداً تقشعر منه الجلود، وقد أعدم عدد كبير  من العلماء بهذه التهمة، وكان العلاح معدوماً، فكانت المعالجة بالسحر والشعوذة، وكانت الأدوية لم توجد، بل كانت عنقاء مغرب، فكان الأوربيون يعيشون حياة الأنعام حتى جاء الإسلام فعلمهم طرق الحياة السعيدة، وتعرفوا على الحضارة والثقافة، وقد اعترف بذلك عدد من العلماء الأوربين.

وعلى كل، فإن فضل البعثة المحمدية كبير على سائر الناس مهما كان دينهم، فكل خير وبركة وسعادة تراه اليوم في العالم مرجعها إلى الإسلام وأتباعه، رغم أن الدعاية مكثفة بأن العالم كله مدين لأوروبا مع أنهم في الواقع أخذوا من المسلمين واستفادوا من معايشتهم والاحتكاك بهم في الشرق الإسلامي وخاصة في الأندس، خلال الحروب الصليبية، لأن الاحتكاك والصحبة لها تأثير كبير على الحياة، فصحبة الصالح تؤدي إلى كسب المحاسن والخصائص الإنسانية الكريمة، وصحبة الطالح تؤدي إلى المساوئ والأعمال السيئة، فأثَّر الإسلام على سائر الناس كما أثرت حضارته تأثيراً عظيماً على الحضارة الغربية، فبفضل الإسلام وحضارته تغيرت حياة أوربا، وانتشر فيها العلم والحضارة، وتغيرت الأفكار والنظريات.

رحمة للعالمين:

فإن البعثة المحمدية رحمة للعالمين، ولولم تكن بعثته -صلى الله عليه وسلم-لكانت الدنيا كلها مظلمة، وقد أشار إلى ذلك المفكر الإسلامي الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي وهو يتحدث في جلسة حول السيرة النبوية في حماس ونشوة: "من آثار هذه الرحمة المهداة مكبر الصوت هذا، وهو يجعل الصوت سريعاً ومرتفعاً، ولولم تكن تعاليمه صلى الله عليه وسلم ولولم تكن حضارة المسلمين وثقافتهم وأمانتهم لما أحرزت الدنيا هذه التقدمات الهائلة”.

ويقول في مقال له: ” لقد تغيرت الدنيا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وبفضل تلك التعاليم السامية، كما يتغير الطقس، وانتقلت الإنسانية من فصل كله جدب وخريف، وسموم وحميم، إلى فصل كله ربيع وأزهار، وجنات تجري من تحتها الأنهار، تغيرت طباع الناس، وأشرقت القلوب بنور ربها، وعم الإقبال على الله، واطلع الإنسان على طعم جديد لم يألفه، وذوق لم يجربه، وهيام لم يعرفه من قبل.

… كان يبدو أن الإنسانية أفاقت واستيقظت، وفتحت عيونها بعد سبات عميق طويل، دام قروناً طويلة، فأرادت أن تتدارك ما فاتها حتى عمر كل جزء من أجزائها، وكل ركن من أركانها بدعاة ربانيين مخلصين، مجاهدين مصلحين، مربين، عارفين بالله متحرفين بالله متحرقين لخلق الله، باذلين نفسهم ونفيسهم لخير الإنسانية، وإنقاذها من الخطر المحدق بها  من كل جانب، رجال تحسدهم الملائكة، فأشعلوا مجامر القلوب الباردة، وأزكوا شعلة الحب الإلهي، وفجروا أنهار العلوم والآداب، والحكم والمعارف، وفتحوا ينبوعاً فياضاً، متدفقاً من العلم والعرفان، والإيمان والحنان، وأنشؤوا في نفوس البشر مقتاً شديداً للظلم والجور، والعدوان والبغضاء، ولقنوا الشعوب المضطهدة، والمهانة الذليلة، دروس المساواة وضموا المنبوذين والمهجورين، والمساكين الذين لفظهم المجتمع، وطردهم أهلهم وعشيرتهم، إلى صدروهم العامرة بالحب والحنان، إنك تجد آثارهم، وتلمس آياتهم على كل جزء من أجزاء البسيطة كمواقع القطر، لا يخلو منها بيت وبر، ولا مدر.

…. إن هذا الانقلاب العظيم، والدور الزاهر الجديد معجزة من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ومأثرة من مآثر بعثته، ونفحة من نفحات الرحمة الإلهية التي عمت الأمكنة كلها، والأزمنة كلها.وصدق الله العظيم:) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( [الأنبياء الآية:107].”(السيرة النبوية للشيخ أبي الحسن علي الحسن الندوي، ص:484)

وأما صلة المسلمين بالعلم واشتغالهم به فهو عظيم وهائل، وأما التقدمات العلمية التي توجد في غير المسلمين، مرجعها إلى المسلمين رغم أنهم لا يعترفون بذلك، لكن التاريخ يعلم كل ذلك، ويتضح من خلال دراسة التاريخ أنه لم يكن يوجد عند الأقوام علم، فجاء الإسلام وحثّ على كسب العلم، والمسلمون هم الذين حققوا العلم وغربلوه، وأوجدوا واخترعوا، ونشروا العلم، وأثاروا الشعور بالعلم والرغبة إليه، ولكن المسلمين لما غفلوا وقصروا في كسب العلم وتكاسلوا تعرضوا للانحطاط والادبار في جانب، وفي جانب آخر تقدَّمت الأمم الأخرى، وبذلت الجهود حتى فاقت المسلمين، لكنها مُدِينة لهم في تقدماتها العلمية الهائلة.

فكل خير وسعادة ونظام في الدنيا اليوم يرجع فضله إل البعثة المحمدية، ولذلك جاء في الآية القرآنية ” إنا أرسلناك رحمة للعالمين” فهذه الجملة عظيمة تحمل في طياتها دلالات عميقة ومعاني عظيمة، وحقائق جليلة.

المطالبة بالتعظيم والتقدير:

وقد أكد القرآن في مواضع كثيرة، على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم” [التوبة:128].

ونظراً إلى تألمه وتواصل فكره في أمته سلى الله نبيه بأن لا تتعب نفسك وراء هداية أحد من الناس، لأن الهداية أو الضلال بيد الله، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فليس عليك إلا البلاغ: ” لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين” [الشعراء:3].

محبّة الرسول:

احترام الرسول وتعظيمه، والعمل بما جاء به، والاحتكام إلى شريعته، واجب على سائر المؤمنين، وقد جعل القرآن حب الرسول أساس الدين، ومن أهم الفرائض، يقول: "قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة: 24)

وجاء في الحديث النبوي: ” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (صحيح مسلم، كتاب الإيكان، باب وجوب محبة رسول الله… 178)

فضيلة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي