عاصفة يواجهها العالم الإسلامي والعربي

العيد أقبل
30 جون, 2020
الحسد
30 جولائی, 2020

عاصفة يواجهها العالم الإسلامي والعربي

حديث تدفع إليه الضرورة، ويحمل عليه الشعور بالواجب:

فقد تمنيت أن يكون حديثي الليلة غير حديث عن الردة، فإن الحديث عن الردة غير حبيب وغير لذيذ، ولا يقبل عليه الإنسان الذي أكرمه الله بالإيمان وأكرمه بالنجاة من الكفر ومن شوائب الردة، إلا مكرها مضطراً، لقد تمنيت أن يكون موضوعي هذه الليلة أمام هذه المجموعة الطيبة، الصافية النقية، المؤمنة البريئة، موضوعاً آخر، ولكن قد يضطر الإنسان إلى أن يقوم بأعمال كثيرة، أداءاً للواجب وقياماً بفريضة الساعة، منها إعلان الحق، ومنها الإنكار على المنكر، ومنها الجهاد في سبيل الله، ومنها محاربة الكفر، ويثاب على ذلك ثواباً، لا يثاب على كثير من الأعمال التي فيها متعة روحية، ولذة نفسية.

المفارق لدين الإسلام، أشد عداءاً وعناداً له من الكافر العام:

أيها الإخوة الكرام:

إنني لا أريد أن أتحدث إليكم في هذه المناسبة الكريمة عن الكفر المطلق العام، فإن الكفر له أحكام وإن الكفر له طبيعة خاصة، وإن الكفر له تاريخ معروف، وإن الصراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، صراع دائم خالد عالمي، إن الصراع بين السراج المصطفوي وبين لهيب أبي لهب(1) صراع خالد، خالد مع الإنسانية وخالد مع الكون، ولكنني أتحدث إليكم عن وضع خاص، ونوع خاص للكفر، وهو أن يفارق الإنسان الإسلام، كراهة له، وانصرافاً عنه، وزهداً فيه، واستبدالاً لغيره به، وهذه هي الردة المصطلحة التي عرفها التاريخ وسجل حوادثها النادرة بعد البعثة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، إن دراستي القاصرة المحدودة للتاريخ، ولتاريخ الإسلام بصفة خاصة أدتني إلى أن الردة أشد من الكفر، وأن الذي يتورط فيها هو أشد عداء ومحاربة للإسلام وأشد عناداً له، وحقداً عليه من الكافر الذي ولد في الكفر وعاش في الكفر، إني كلما تتبعت الحوادث التاريخية واستقصيتها استقصاء المؤرخ، فقد سايرت ركب التاريخ الإسلامي خطوة خطوة، رأيت المرتد عن دين الله، هو كالثائر الموتور الذي يشتعل حماساً ضد الإسلام وبغضاً متأججاً ملتهباً، وإن كل من قرأ التاريخ لابد أن يؤيدني في استخراج هذه النتيجة.

قضية من قضايا علم النفس تطلب دراسة وتحليلاً:

وهذه قضية من قضايا علم النفس ومن خصائص الطبيعة البشرية، تحتاج إلى دراسة جديدة وعميقة، لماذا يمتاز المفارق لدينه القديم عن الذي لم يؤمن بالإسلام ولم يدن به في يوم من الأيام بهذه الضغينة، وبهذا الحماس الشديد وبهذه الترة على الإسلام والمسلمين؟!

هذا سؤال علمي يحتاج إلى شيء من التحليل، ويطلب من علماء النفس والفلسفة أن يكون موضوع دراستهم وعنايتهم، إن هذه الدراسة ستفتح نافذة جديدة على أغوار النفس الإنسانية وأسرارها وتطلع على كثير من العقد النفسية التي أعيت علماء الأخلاق وعلم الاجتماع وتساعد الباحثين والمؤرخين في فهم كثير من قضايا التاريخ وحوادث الاضطهاد الديني والمحاربة العقائدية، وإنني كتلميذ للتاريخ وشغوف بدراسة علم النفس أعرض عليكم ما اهتديت إليه من معرفة بعض أسباب هذا البغض والدوافع النفسية لهذا العداء الشديد، الذي يمتاز به من فارق دينه واضطربت عقيدته وتزلزت ثقته بالإسلام، ولماذا يكون هذا الرجل أشد استيحاشاً من كل ما يتصل بدينه القديم وأضيق صدراً وأقل احتمالاً لكل ما يمت إليه بصلة قريبة أو بعيدة، ويقسو قلبه حتى لا يعرف هوادة ولا لينًا، ولا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، وإليكم بعض هذه الأسباب الطبيعية والعقلية والنفسية والدينية.

ظلام بعد نور:

إنكم تعرفون جميعاً أن المصباح إذا انطفأ أحدث ظلاماً أشد، نأخذ غرفتين على سبيل المثال غرفة لم يكن فيها مصباح، هذه غرفة مظلمة قد تمضي عليها أيام وليال من غير نور، الإنسان إذا دخل هذه الغرفة ربما يهتدى إلى أشياء بنظره الحديد لأن الغرفة عادية وليس فيها شيء غير عادي، ولكن بجوار هذه الغرفة غرفة أخرى يضيء فيها سراج منير ثم ينطفئ هذا السراج، فالإنسان يشعر بظلام زائد لأنه اعتاد هذا النور واعتمد على هذا السراج، فلما انطفأ هذا النور وتوارى هذا الضياء الذي أشرقت به هذه الحجرة التي لم يكن فيها منفذ للنور أصبحت كالقبر وأوحشت على أهلها، هكذا القلب الإنساني إذا لم يشرق بنور رباني سماوي فهو قلب مظلم لاشك، ولكن القلب الذي أكرمه الله بالنور فأشرق وأضاء ثم أزيل عنه هذا النور، كان أشد ظلاماً وأشد سواداً، وأشد قسوة وأشد وحشة وضيق صدر وقلة صبر، وأشد شراسة وأكثر ضجراً وأسرع غضباً وأخف عقلاً، من القلب الذي لم يذق حلاوة الإيمان ولم يشرق بنور الله في يوم من الأيام، وهي تجربة نمر بها في حياتنا اليومية ونرى لها شواهد وأمثالاً فيما حولنا.

عقوبة الكفران بنعمة الله:

والعامل الثاني أننا إذا تتبعنا القرآن ودرسناه دراسة عميقة عرفنا أن عقوبة الله تبارك وتعالى تنزل أشد على من أكرمه الله بنعمة الإيمان ثم جحد بها وكفر، وحرم نفسه إياها، وأثر هذا الجحود والكنود في إثارة غضب الله وسخطه وتحريك غيرته، أشد من أثر جميع أنواع الكفر وأصناف المعاصي والذنوب، قال الله تعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ” [إبراهيم:7]، وقال "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” [النحل:112]، وقال: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ” [إبراهيم:28-29]، وقال: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” [الأعراف:175-176]، هذه عقوبة الجاحد بنعمة الله، الكنود الذي أكرمه الله بأكبر نعمة ثم جحد فضلها وجرد نفسه عنها، أما من ولد في بيئة كافرة ونشأ في بيت كافر وعاش فيه، وماعرف لذة الإيمان، ولم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، فأمره يختلف كل الاختلاف عن الذي ذاق حلاوة الإيمان، ونعم في ظلها، وارتضع بلبانها، وأظلته ظلال الإسلام الوارفة، ثم حرم نفسه هذه النعمة، التي لا نعمة فوقها، حينئذ تتحرك غيرة الله تبارك وتعالى فيعاقبه بمسخ خلقي عقلي، فتتقلب الحقائق في عينه وتفسد وتختل موازين عقله، ويفقد قلبه كل صلاحية لقبول الحق، وكل معنى من معاني الرقة والعطف والرحمة، ويصبح إنساناً منكوساً مطموساً، ويصبح مصداق قوله تعالى: "ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” [التين:5]، نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العافية والسلامة، والشكر على نعمته، والعض عليها بالنواجذ.(يتبع)

الهوامش:

 (1) الجملة مقتبسة من شعر للدكتور محمد إقبال رحمه الله، يقول فيه: "لقد دام شرار أبي لهب (يعني الكفر ومعاداة الدين الحق) في حرب وصراع مع السراج الذي أناره محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم أخيراً (يعني الإسلام) منذ أول يوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”.

 

(الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله تعالى)