لغة الحضارة (1)

شعائر الله تعالى وتعظيمها (2)
3 فروری, 2021
ما تعبدون من بعدي؟
3 فروری, 2021

لغة الحضارة (1)

توطئة:

روى البخاري في (الأدب المفرد): ” لا يشكر الله من لا يشكر الناس”، فحق عليّ إذاً، وحقّ علينا جميعا، أن نشكر ” الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية” و”منسِّقية الشرق للائتلاف الوطني”، ومن ورائهما جميع الجمعيات والمؤسسات التي ندبت نفسها للدفاع عن اللغة العربية، ونشكر جميع من سعى ويسعى للاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، بجميع صور الاحتفال، من محاضرات وندوات ولقاءات.

وأريد في مستهل الحديث أن أوجه كلمة إلى الذين يعتقدون أن كل حديث في هذا الظرف خارج حديث مناهضة التطبيع هو حديث باطل. وأكثر هؤلاء لا يفقهون، لأن الدفاع عن فلسطين ومقدساتها الإسلامية، ووجودها العربي، وتاريخها، لا يكفي فيه مجرد شعار، أو كلمة عابرة موسمية، بل هو بحاجة إلى جهاد مستمر متنوع الوجوه، والدفاع عن اللغة العربية من أهمّ الوجوه التي ندافع بها عن الوجود الفلسطيني واقعا وحضارة، ونواجه بها الغطرسة الصهيوينة التي جعلت من أهدافها، منذ وطئت أقدمها الأرض المقدسة، محاربة اللغة العربية، والتضييق على استعمال الفلسطينيين للغتهم العربية. ونحن عندما نعمل على ترسيخ اللغة العربية نكون قد ساهمنا في ترسيخ الوجود الفلسطيني على أرضه العربية. ومن هنا ينبغي الحرص على الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية وتطوير وجوه هذا الاحتفال.

إنّ هذا الاحتفال لا ينبغي أن يكون عارضا، بل يجب أن يكون مناسبة لتحقيق عدد من الأهداف النبيلة، منها:

1 ــ العمل على توطين اللغة العربية من جديد في وطنها، بعدما تعرضت له من نفي وتغريب وعزل عن الحياة العامة. وإذا كان الاستعمار قد عرف قيمة العربية في توحيد الأمة ونهضتها وعزتها، فعمِل على محاربتها بصور مختلفة، فإنه لا يجوز أن نظل تبعا لما قرره الاستعمار في العالم العربي منذ غزو نابليون إلى مصر، وما يزال يفرض هيمنته اللغوية علينا.

2 ــ العمل على تفعيل الدساتير التي تنص على أن اللغة العربية لغة رسمية، حيث نجد خرقا واضحا لهذه المادة يتخذ صورا كثيرة، مما يجعل هذه المادة مجرد شعار، لا يجد له ترجمة عملية في واقع الأمة.

3 ــ العمل المستمر على استثمار الجهود المنجزة في مجال خدمة اللغة العربية، ومن ذلك عمل مجامع اللغة العربية الذي بدأ مع تأسيس أول مجمع للغة العربية بالقاهرة عام 1892، بحضور عدد من فطاحلة اللغة والفكر، منهم الشيخ محمد عبده، والشيخ الشنقيطي الكبير، ومحمد عثمان جلال، وحفني ناصف، ومحمد المويلحي. وانتخبوا محمد توفيق البكري رئيسا للمجمع. غير أن هذا المجمع توقف عمله بعد فترة قصيرة، بعد وفاة عدد من أعضائه، منهم محمد عبده الذي توفي عام 1905، وحفني ناصف المتوفى عام 1915. ثم أنشئ مجمع جديد للغة العربية بالقاهرة عام 1930. ثم ظهرت مجامع لغوية في بلاد أخرى غير مصر. وأقدمها مجمع اللغة العربية في دمشق، الذي أسس في عهد الملك فيصل عام 1919، وكان له أثر كبير في تعريب مؤسسات وهيئات الدولة، وتعريب التعليم وإنشاء المدارس العربية الأولى في سورية والعالم العربي. وفي عام 1947 أنشئ مجمع اللغة العربية ببغداد. ثم توالى إنشاء مجامع اللغة العربية في سائر البلاد العربية، منها مكتب تنسيق التعريب في الرباط، ومجمع اللغة العربية في الخرطوم، ومجمع اللغة العربية الليبي، والمجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر، ومؤسسة بيت الحكمة في تونس، ومجمع اللغة العربية في حيفا.

إن هذه المجامع اللغوية، على تفاوت بينها في الجهود، قدمت للعربية خلال ما يزيد عن مئة عام من الخدمات الجليلة شيئا كثيراً، ومن ذلك وضع المعاجم اللغوية الحديثة، التي منها "المعجم الوسيط”، ووضع عدد من معاجم الاصطلاح، وغيرها. إلا أن كثيرا من تلك المعاجم ظلت حبيسة الرفوف، حيث لم تجد الطريق إلى الحياة العملية، لارتباط كثير من المؤسسات التعليمية والعلمية بمواقف حكوماتها.

ونسوق هنا تجربة لواحد ممن عني بتعريب المصطلحات.

يقول محمود شيت خطاب: "وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين، ابتليت البلاد العربية بالاستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني، فبدأ مدّ المصطلحات العسكرية الغربية يطغى على العسكريين العرب، وأصبحت اللغة العسكرية العربية مطعّمة بالمصطلحات العسكرية التركية، وبالمصطلحات العسكرية الفرنسية في سورية ولبنان والجزائر والمغرب، وبالمصطلحات العسكرية البريطانية في العراق ومصر والسودان والأردن وفلسطين وإمارات الخليج العربي واليمن الجنوبي، وبالمصطلحات العسكرية الإيطالية في ليبيا.

وجرت محاولات تطهير المصطلحات العسكرية العربية من المصطلحات العسكرية الأجنبية، كما جرت محاولات توحيد المصطلحات العسكرية العربية، وأخيرا تكللت تلك المحاولات بالتوفيق بصدور المعجمات العسكرية الأربعة في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة (1973)، فلا عذر للدولة العربية التي لا تلتزم بهذه المعجمات العسكرية الموحدة الأربعة إلا إذا فضلت المصطلحات العسكرية الدخيلة على المصطلحات العسكرية الأصيلة، وفضلت لغة المستعمر على لغة القرآن الكريم، وفضلت التفرقة على التوحيد). ص.26، اللواء الركن محمود شيت خطاب، العسكرية العربية الإسلامية، سلسلة كتاب الأمة 3، 1403 هــ ــ 1983م.

وحسبنا هذا من هذه التوطئة.

 

(الدكتور حسن الأمراني، المغرب)