لا فلاح لأمة بعث فيها النبي إلا في اتباعه وإيثاره

الغرور
17 فروری, 2020
كيف تتعامل مع جارك؟
5 مارچ, 2020

لا فلاح لأمة بعث فيها النبي إلا في اتباعه وإيثاره

إن القرآن يدعو إلى اتباع الأنبياء، والأخذ بسيرتهم والسير على منهجهم العام في الحياة والتشبه بهم ما أمكن، فيقول: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا( ويأمر المسلمين بأن يدعوا دائماً بقولهم: )اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ( ولا شك أن في مقدمة هؤلاء المنعم عليهم وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلين، وجعل هذا الدعاء في صلب الصلاة، وكلما كان الإنسان اتبع لسننه، وأكثر تخلقاً بأخلاقه وأشبه به هدياً ودلا وسمتاً كان أقرب إلى الله وأعلى منزلة عنده.

والقرآن يطلب للأنبياء الإجلال المنبعث من أعماق القلب، والتوقير والتبجيل العميق، والحب العاطفي، ولا يكتفي بالطاعة المجردة من كل عاطفة وحب وإجلال، إطاعة الرعية والسوقة للملوك وكثير من قادة الجنود وزعماء الأحزاب، ولا يكتفي بدفع الضرائب وتنفيذ الأحكام فقال: )لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وتُوْقِرُوْه( وقال: )فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ( ولذلك أمر بكل ما يحفظ حرمتهم واحترامهم، ونهى عن كل ما يحط مكانتهم ويجرح كرامتهم، ويهون شأنهم ويفقد مهابتهم، فقال: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ( وقال: )تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا( ولذلك حرم زواج أزواجه من بعد وفاته فقال:)وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً، إن ذلكم كان عند الله عظيماً(

وقد جاءت النصوص الصريحة الكثيرة تطلب حب الرسول وإيثاره، على النفس والأهل والولد، فقد جاء في الصحيحين:”لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين” وكذلك:”ثلاث من كن فيه وجد بهن حاوة الإيمان:من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما الحديث”.

لأن الطاعة الكاملة المخلصة، والتخلق بأخلاق الرسول، والانصباغ بصبغته وإيثار شريعته ورضاه على هوى النفس والعادات والأعراف، وبذل المهجة والنفس والنفيس في سبيل دعوته، لا يتأتى إلا بهذا الإجلال المنبعث من أعماق القلب، والحب العميق الذي يملك على الإنسان مشاعره، ويستولى على قلبه ولذلك قال )قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم من أحرص الناس على طاعته وأسرعهم إليها وأنشطهم فيها، وأصبرهم عليها، ولهم في ذلك القدح المعلى والنصيب الأوفر إلى يوم القيامة، ومنهم أبو بكر الصديق الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم عليه وأحب إليه من نفسه، وحياته وصحته أعز عليه من حياته وصحته، وقد ضربه عتبة بن ربيعة بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ونزا على بطنه حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب لا يشكون في موته، ولما تكلم آخر النهار قال ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ولما قيل له أنه سالم صالح قال: إن لله علي ألا أذوق طعاماً ولا أشرب شرابا أو آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

ومنهم المرأة الأنصارية التي كان الناس يخبرونها بشهادة أعز أقاربها،: أبيها وأخيها وزوجها يوم أحد، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا خيراً، هو بحمد الله كما تحبين، فلمارأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل.

ومنهم عبد الله بن عبد الله بن أبي، سمع أن والده قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فلما قدموا المدينة قام عبد الله على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ؟أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لا يأويك ظله ولا تأويه أبداً إلا بإذن من الله ورسوله، ولم يسمح له بالدخول حتى أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يخلي سبيله.

ولذلك كله استطاعوا أن يضعوا رؤوسهم ومهجهم على اكفهم وراحاتهم، وهانت عليهم الحياة، وطابت لهم هجرة الأوطان وهجر الإخوان، والشهادة في سبيل الله، ولذلك استطاعوا أن يقولوا عند وقعة بدر: أن أمرنا تبع لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك.

وما ضعف العالم الإسلامي في العمل بالشريعة اليوم والتكاسل في الطاعات والابتعاد عن كل مايشق على النفس، وما تهاون كثير من طبقة العلماء والمثقفين الثقافة الدينية الواسعة بالسنن وهدى الرسول إلا لضعف هذا الإجلال الذي اهتم به القرآن كثيراً، وضعف عاطفة الحب أو فقدانها، العاطفة التي كانت ولا تزال مصدر قوة لا نظير لها ومرد عجائب ومعجزات في التاريخ، وهو فراغ لا يملأ بأكبر مقدار من العقل والعزم والنظام، وخسارة لا تعوض بشيء.

إن مصير الأمم التي يبعث فيها هؤلاء الأنبياء مربوط باتباعهم والانقياد لهم، والاجتماع تحت رايتهم، والتمسك بأهدابهم والسير في ركابهم بعز عزيز وذل ذليل، فلا تفلح أمة مهما أوتيت من الحول والطول والذكاء والوسائل، ومهما تقدم الزمان وتقدمت الحضارة وتنوعت الفلسفات وتغيرت الأحوال، إلا باتباع هذا النبي والحب له والانتصار لدعوته، رضيت بذلك أم أبت، وكل أمة تحاول أن تنال العزة والسؤدد والكرامة والقوة الحقيقية عن غير هذا الطريق، معتمدة على سياستها الحكيمة، أو الانضمام إلى معسكر من المعسكرات القوية، فلن يكون ذلك وليس عاقبتها إلا الذل، والهوان والإخفاق الذريع والانشقاق الداخلي والخيبة عاجلاً وآجلاً.

والعالم الإسلامي بصفة عامة والعالم العربي بصفة خاصة خير شاهد على ذلك، فقد كبر على هذين العالمين في الزمن الأخير اتباع الرسول النبي الأمي صلىالله عليه وسلم، وثقل عليهما إيثار ما أمر به وطلبه على ما تأمر به نفوس القادة والزعماء، واستنكفا عن الانتساب إليه والافتخار به والظهور في مظهر دينه أمام الأمم والحكومات، وآمنا بضرورة التنصل عن دينه وأحكامه وحضارته، وآمن أكثر أقطارها بالقومية والوطنية والشيوعية والفلسفات الحديثة وإلى الآن لم يقضيا وطرا ولم يهزما عدواً وهذا هو العالم العربي، ولا معذرة ولا استعفاء، موزع على نفسه، لم يستطع أن يحل مشكلة فلسطين في هذه المدة الطويلة، ولم يحتل المكان اللائق به في زعامة العالم الإسلامي أو قيادة العالم الإنساني، وفي كل يوم مشكلة طريفة، وقضية جديدة.

وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال لأصحابه العرب في الشام ـ وهم كبار الصحابة وقادة الفتح الإسلامي، وقد عيروه ببعض صنيعه الذي لا يتفق مع رئيس حكومة كبيرة -:

"إنكم كنتم أذل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله”.

العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي