الصامدون في وجه الاستعمار (5)

شعائر الله تعالى وتعظيمها (8)
18 اگست, 2021
حول تواريخ المدينة
18 اگست, 2021

الصامدون في وجه الاستعمار (5)

محمد واضح رشيد الحسني الندوي

الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي:

في تركيا التي أنجبت شخصية ضياء كوكب أحد دعاة الحضارة الغربية، نشأت شخصية عملاقة، كانت بمثابة أمة كاملة، لا يخاف إلا الله، ولا تأخذه لومة لائم، وهي شخصية بديع الزمان سعيد النورسي (1873-1918م).

ولد بديع الزمان سعيد النورسي في قرية "نورس” وهي إحدى قرى قضاء خيزان التابع لولاية "بنيس” شرق الأناضول سنة 1293هـ – 1873م، وكان والده مرزا ورعًا يضرب به المثل في الزهد والورع، فلم يطعم أولاده من غير الحلال، حتى أنه إذا عاد بمواشيه من المراعي كان يشد أفواهها لئلا تأكل من مزارع الآخرين، وتقول أمه نورية أنها ما أرضعت أطفالها إلا وهي على طهر ووضوء.

تلقى علومه الأولى من كتاب القرية طاغ، وكان يتلقى على أخيه الكبير الملا عبد الله دروسًا في عطلة الأسبوع.

وفي سنة 1888م ذهب إلى تبليس، بمدرسة الشيخ أمين أفندي.

وفي سنة 1892م ذهب إلى ما راين، حيث بدأ يلقى دروسه في جامع المدينة، ومر بمحنة على وشاية بعض الناس إلى والي المدينة، فنفى من المدينة إلى تبليس، ثم عفى عنه.

وفي سنة 1894م ذهب إلى وان، والتقى ببعض أساتذة العلوم الحديثة من جغرافية وكيمياء، وعكف على دراسة العلوم العصرية وأتقنها.

كان مما أثار حميته بيان وزير المستعمرات البريطانية "غلادستون” في مجلس العموم البريطاني حاملاً نسخة من القرآن الكريم "ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك فلا ينافي أن نزيله من الوجود ونقطع صلة المسلمين به”. فزلزل هذا التصريح الآثم كل كيانه، وصمم على أن يكرس كل حياته لإظهار إعجاز القرآن وربط المسلمين بكتاب الله، فقال:” لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها”.

عاد إلى استنبول سنة 1907م والتقى بكبار المفكرين والأدباء، وكان منهم الشاعر محمد عاكف.

وفي استنبول قدم سعيد النورسي عريضة إلى السلطان عبد الحميد، يطلب فيها بفتح المدارس التي تعلم العلوم الرياضية والفيزيا والكيمياء، بجانب المدارس الدينية في شرق الأناضول، لمكافحة الجهل السائد.

وفي هذه الفترة عكف النورسي على إلقاء الخطب، وكتابة المقالات لإبراز دور الإسلام في إصلاح المجتمع، وتأثيره في الحياة السياسية، وطالب بتحكيم الشريعة الغراء.

وفي سنة 1911م – 1327هـ زار ديار الشام وألقى خطبة في الجامع الأموي في دمشق، شخص فيها أمراض الأمة الإسلامية وعلاجها، منها:

  1. اليأس والقنوط.
  2. موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.
  3. حب العداوة.
  4. تجاهل الرابطة الروحية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
  5. ذيوع الاستبداد.
  6. حصر الهمة في المنفعة الشخصية.

واستمر بديع الزمان، فاستدعاه مصطفى كمال لينضم إليه فرفض، وحاول مصطفى كمال إغراره المادى، ونهاه عن دعوته إلى الصلاة.

فقال بديع الزمان: "إن أعظم حقيقة بعد الإيمان الصلاة، وإن الذي لا يصلي خائن”، كانت هذه المقابلة في عام 1922م، وعلم النورسي ما يريده مصطفى كمال، وصمم على محاربة الإلحاد الكمالي الزاحف.

وشاعت رسائل النور التي كان يكتبها، وكان لها أكبر الأثر، ويقدر أن الذين تأثروا بأفكار سعيد، أربعة ملايين في تركيا وحدها، وعلاوة على هذه الرسائل قام الشيخ سعيد برحلات دعوية وتربوية واسعة.

كانت تركيا تمر بأصعب فترة في التاريخ في أوائل القرن العشرين بعد عهدها المجيد، فقد أصبحت لقمة سائغة في يد الاستعمار الغربي الذي أراد أن يصفى حسابه معها، فقد كان مصطفى كمال الذي وصل إلى الحكم بتائيد الحلفاء بموجب معاهدة لوزان، قد أصدر أوامر بإلغاء الخلافة، ومصادرة أملاك الأوقاف، ومنع قراءة القرآن باللغة العربية، وبدل حروف الكتابة العربية باللاتينية، وأعلن اللادينية، ومنع النشاط الديني كله، حول الأذان الشرعي إلى الأذان بالتركية، وحول مساجد كثيرة إلى مخازن، وقاد كل من عارض، إلى المشانق والسجون.

كان الشيخ سعيد من أبرز علماء عصره، وأكثرهم حماسة إيمانية، فقد بدأ إصلاح الظروف في عهد الخلفاء، وسجن عدة مرات، ثم شارك في الغارات الفدائية ضد الغزاة، قبل نشوب حرب البلقان في سنة 1913م.

ألغيت الخلافة وفرضت قوانين عسكرية إلحادية صارمة، فواجهها الشيخ سعيد بجرأة منقطعة النظير، فسجن عدة مرات، وصدر عليه حكم الإعدام، لكن شعبيته الواسعة وتهافت الناس عليه حيث ذهب كان يمنع السلطات من تنفيذ الإعدام، قد كانت له مواقف جريئة مع مصطفى كمال، فلما منع الأذان، جمع أصحابه، وطلب منهم بأن يؤذنوا بالعربية فواجه التشريد والتعذيب، وكان يؤلف رسائل عرفت برسائل النور يوجهها إلى أتباعه، ويدعوهم إلى التمسك بالإسلام، ومواجهة التيارات الإلحادية، وقد قال في أحد محاكماته في محكمة "دينزلي”.

” اسمعوا يا من بعتم دينكم بدنياكم، وسمحتم بالكفر المطلق، إنني أقول بمنتهى ما أعطاني الله من قوة، افعلوا ما يمكنكم فعله، فغاية ما أتمناه أن يجعل رأسنا فداء لأصغر حقيقة من حقائق الإسلام”.

وقال في محاكمة أخرى:

” ألا فلتعلموا جيداً بأنه لو كان لي من الرؤوس بعدد ما في رأسي من شعر، وفصل كل يوم واحد منها، فلن أحنى هذا الرأس الذي نذرته للحقائق القرآنية، أمام الزندقة”.

توفي الشيخ سعيد في رمضان 1960م.