محمد الفاتح لم يفتح القسطنطينية فقط … ولكنه غيّر تاريخ أوربا أيضًا (2)

التكلّف في الكتابة
14 ستمبر, 2020
البلاد تتجه إلى صراع سياسي
14 ستمبر, 2020

محمد الفاتح لم يفتح القسطنطينية فقط … ولكنه غيّر تاريخ أوربا أيضًا (2)

وكان أول شهداء العثمانيين هو الأمير ولي الدين سليمان الذي أقام العلم العثماني على أسوار المدينة البيزنطية العريقة، وعند استشهاده أسرع 18 جندياً عثمانياً إليه لحماية العلم من السقرط، واستطاعوا حمايته حتى واصل بقية الجنود تدافعهم على الأسوار، وثبت العلم تماماً على الأسوار بعد أن استشهد أيضاً هؤلاء الثمانية عشر جندياً، أثناء ذلك كان العثمانيون يواصلون تدفقهم إلى المدينة، عن طريق الفتحات التي أحدثتها المدفعية في الأسوار، ثم عن طريق اتسلق السلالم التي قاموها على أسوار المدينة، ثم استطاع جنود آخرون من فرق الهجوم إلى ثمانية فتح بعض أبواب القسطنطينية، بينما نجح آخرون في التحكم في سلسلة مدخل الخليج وفتوحها، وبالتالي تدفق الأسطول العثماني إلى الخليج وبعد ذلك إلى المدينة نفسها، وساد الذعر البيزنطين وكان، قتل منهم من قتل فهرب من استطاع إلى ذلك سبيلاً.

الفاتح يعطي الأمان:

لكن الشعب خاف وأسرع يتجه نحو كنيسة أيا صوفيا، وعندما دخل الفاتح المدينة أمر بإحراق جثث القتلى تفاديًا للأمراض، وسار على ظهر جواده إلى الكنيسة حيث تجمع الشعب البيزنطي ورهبانه، وما أن علموا بوصول السلطان الفاتح حتى خروا سجدًا راكعين بين أنين وبكاء وعويل، وصل الفاتح، نزل من على ظهر حصانه، صلى صلاة الشكر لله على توفيقه له بالفتح، ثم سار بقصد شعب بيزنطية ورهبانه، ولما وجدهم على هذه الحالة من السجود انزعج وتوجه إلى رهبانهم قائلاً: "قفوا! استقيموا فأنا السلطان محمد: أقول لكم ولجميع إخوانكم ولكل الموجودين هنا أنكم منذ اليوم في أمان في حياتكم وحرياتكم”. وهذا ما سجله مؤرخ أوربي كان معاصراً للخطة.

كان هذا التصرف من الفاتح، له أثر كبير في عودة المهاجرين النصارى الذين كانوا قد فروا من المدينة، وأمر الفاتح قواده وجنوده بعدم التعرُّض للشعب بأذى، ثم طلب من الناس العودة إلى ديارهم بسلام، وحول أيا صوفيا إلى جامع علي أن تصلي فيه أول جمعة بعد الفتح (كان الفتح يوم ثلاثاء) وكانت أيا صوفيا أكبر كنيسة في العالم وأقدم مبنى في أوربا كلها.

كان سلوك الفاتح عندما دخل القسطنطينية ظاهراً، سلوكاً مختلفاً تماماً، كان الفاتح يستطيع حسب شريعة الحرب في زمانه أن يفعل أبسط ما تقول به شريعة الحرب في العصور الوسطى، وهو نفي شعب المدينة المفتوحة إلى مكان آخر أم بيعه في أسواق النخاسة، لكن الفاتح قام بما عجز عن فهمه الفكر الغربي المعاصر له من تسامح ورحمة، فقد قام بالآتي:

  1. إطلاق سراح الأسرى فوراً نظير مقابل مادي قليل يسدد على أقساط طويلة المدى.
  2. إسكان الأسرى الذين كانوا من نصيبه في المغانم في المنازل الواقعة على ساحل الخليج.
  3. عندما أبيحت القسطنطينية للجنود ثلاثة أيام عقب الفتح، كان هذا الإذن مقتصراً على الأشياء غير المعنوية، فلم تغتصب امرأة ولم يمس شيخ عجوز ولا طفل ولا راهب بأذى، ولم تهدم كنيسة ولا صومعة ولا دبر ولا بيعة، مع أن المدينة أخذت بالحرب ورفضت التسليم.
  4. كان من حق الفاتح قانونًا ما دمت المدينة قد أخذت عنوة أن يكون هو نيابة عن الجيش الفاتح مالكاً لكل ما في المدينة، وكان من حقه أيضاً تحويل نصف الكنائس والبيع وعلى مدى زمني طويل إلى جوامع ومساجد، وترك النصف الآخر لشعب المدينة على ما هو عليه، وفي وقفيات السلطان محمد الفاتح بنود كثيرة على بقاء أديرة جو كاليجا وأيا وليبس وكيراماتوا والكيس في يد اليزنطيين.
  5. اعترف لليهود بملكيتهم لبيعهم كاملة وأنعم بالعطايا على الحاخام موسى كابسالي.
  6. عين في 1461م للجماعات الأرمنية بطريقاً يدعي يواكيم ليشرف على مصالح الأرمن ويوحد صفوفهم.
  7. بدأت أعمال تعمير المدينة ابتداء من 2 يونية 1453 (كان الفتح يوم 29 مايو من العام نفسه) وأمر بنقل جماعات كثيرة من مختلف أنحاء الدولة إلى القسطنطينية للإسهام في إعادة انعاشها.
  8. إعادة الفاتح للأرثوذكس كرامتهم التى أهدرها اللاتين الكاثوليك بأن أعطاهم حق انتخاب رئيس لهم يمثلهم ويشرف على شئونهم، وأصبح سكولا ريوس (جناديوس) أول بطريق لهم بعد الفتح العثماني للقسطنطينية، وبذلك أنقذ الفاتح إيمان الأمة التي فتح ديارها وأحياء الأرثوذكسية بعد أن أخذت فخفت (لاحظ أن هذا التصرف من الفاتح تسبب في تكتل أوربا الكاثوليكية ضده).
  9. جعل الفاتح مسائل الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق والميراث وأمور الوفاة الخاصة بأهل المدينة المفتوحة من حق الجماعات الدينية المختصة، وكان هذا امتيازا منعدم النظير في أوربا ذلك الوقت.

الفاتح وحكام عصره:

لقد تصرف الفاتح تصرفاً حضارياً في الوقت الذي كان الحكام من الشرق والغرب يتلذذون بسفك الدماء وبقتل الناس بالآلاف، ويتلذذون وهم على موائد الطعام بمنظر الأسرى وقد اخترقت بطونهم أسنة رماح الجنود، ويرفع الأسرى على الخوازيق وتخلط دمائهم بأنواع الشراب (قارن بين أعمال جنكيز خان وتيمور لنك في الشرق، وفلال وهونيادي في الغرب، وبين موقف الفاتح من المسيحيين واليهود بعد فتحه القسطنطينية كمثال، وكذلك قارن بين موقف دولة بيزنطة عندما هدمت حي  المسلمين في القسطنطينية وأبادت كأنه بعد أن علم الإمبراطور بانتصار تيمور لنك على السلطان العثماني بايزيد الصاعقة في واقعة أنقرة عام 1402م، وبين الفاتح في تناسيه لهذه الحادثة بالصفح عنها وعن نصارى المدينة بعد دخوله القسطنطينية).

إن الجيوش الصليبية قد أزهقت في عملية احتلال القدس أرواح 70,000 برئ، يقول هـ. ج ويلز في ذلك: "كانت المذبحة التي دارت في بيت المقدس رهيبة، وكان الراكب على جواده يصيبه رشاش الدم الذي سال في الشوارع”. نفس المؤرخ يقول عن هولاكو: "كان هولاكو يفتح فارس وسوريا، وأظهر المغول في ذلك الزمان عداوة مريرة للإسلام، ولم يكتفوا بتذبيح سكان بغداد فقط بل ….. وقد صارت أرض الجزيرة منذ تلك اللحظة التعسة يبابًا من الخرائب والإطلال لا تتسع إلا للعدد القليل من السكان…”.

تقول سامحة اي ويردي: ” أن الجيوش الصليبية التي تدفقت على القسطنطينية (عام 1402م) قامت بتحويل المدينة إلى خرابة بائسة فقيرة معدمة بعد أن كانت غنية معمورة يسودها الرخاء”.

وعندما دخل شارل الخامس تونس عام 1540م لم يترك حياً أمامه إلا قتله ولم تسلم من وحشيته حتى الجمال والقطط، وهذا ما ذكره شهاب الدين تكين داغ في مذكراته عن الدولة العثمانية.

إن هذه الأمثلة إذا ما قارناها بموقف الفاتح الحضاري من القسطنطينية وأهلها، نرى الفالتح قائداً منعدم النظير بين أقرانه من أباطرة الشرق وحكام الغرب، ولو كان اتبع الفاتح ما كان يجري على الجانب الغربي من البحر المتوسط من فظائع الإسبان في الأندلس وما فعلوه بالمسلمين وبالعرب لما أصبح هناك مسيحي واحد في القسطنطينية.

دور المدفعية العثمانية:

كان المدفع اختراعاً حديثاً مروعاً غير مجرى التاريخ، وكان مدفع الهاون اختراعاً عثمانياً عرفه العالم لأول مرة أثناء حصار العثمانيين للقسطنطينية كما كان المدفع الضخم خاصة مع الهاون أكبر عامل في فتح المدينة.

كان المدفع الضخم من اختراع اثنين هما: مصلح الدين وأوربان، وأوربان هذا مختلف في أصله هل هو مجرى أو روماني، كان المدفع ضخماً جداً تسمع طلقاته من مسافة (100) ستاد (25 ميلاً) وقذيفته من الحجر والبارود تبلغ زنة القذيفة الواحدة (1500) كيلو جرام تصل مداها إلى مسافة ميل، (يقول إداري مونتالدو أن عدد المدافع التي صبها كل من مصلح الدين وأوربان قد بلغ 200 مدفع).

وعندما كان المدفع ينقل من أدرنة العاصمة إلى القسطنطينية ليستقر أمام أسوارها كان لزاماً على العثمانيين توسعة طريق أدرنة القسطنيطينية وقام بهذه العملية (50) مهندساً ومأتا عامل، وكان يحر المدفع (60) جاموسة ويسند المدفع من على جانبيه 400 رجل قوي (200) على كل جانب، وذلك حتى لا ينزلق المدفع يمنة أو يسرة أثناء مروره (فرانتزيس يقول بأن بعض هذه المدافع كان يحتاج إلى 2000 رجل لجرّه).

ولقد لعبت مدافع الهاون دوراً ملحوظاً في الحصار سواء في الضرب أو في عمليات التمويه وإن لم تكن كافية للتحكم تماماً في الخليج كله.

وبسبب هذه المدافع حدث التحول الكبير في أوروبا.

فالمعروف أن أوربا كانت تعيش إلى ما قبل فتح القسطنطينية في العصر الإقطاعي الذي كان يمثله الإقطاعيون الذين يعيشون داخل حصول مسورة بأسوار ضخمة، وكان هذا هو رمز العصور الوسطى في الغرب، فلما اخترع العثمانيون المدفع الهاون والمدفع الضخم وانهارت أمام طلقات المدفعية العثمانية أسوار القسطنطينية، ثم أخذ المدفع في الانتشار، أخذت أسوار الإقطاعيين في التهاوى والسقوط، فانتهى عهد الأمير الإقطاعي المستبد وأخذت الدول تتشكل، ومعها ظهرت بداية التاريخ الحديث ومن هنا فإن مدفع العثمانيين في فتح القسطنطينية أصبح هو مفتاح تاريخ العصر الحديث، وعلى هذا اتفق المؤرخون سواء في الغرب أو في الشرق.

مغالطة مفضوحة:

في عام 1953م نشر المستشرق الألماني فرانز بابنجر كتاباً بعنوان "السلطان محمد الفاتح وعصره” قال فيه أن السلطان محمد الفاتح مات مسموماً وإن الذي قدم له السم ليشربه طبيبه اليهودي يعقوب باشا.

كان ادعاء بابنجر هذا نتيجة ترجمة متعسفة لكلمة تركية جاءت في نص في تاريخ عاشق باشا زاده المسمى تواريخ آل عثمان، في الفصل الخاص بمرض السلطان محمد الفاتح الذي أدى إلى وفاته والعبارة المقصودة هنا هي كالتالي: "اتفق الأطباء أي أطباء السلطان على إعطائه (شراب فارغ)، وكان مجلس أطباء السلطان يضم فيمن يضم يعقوب باشا اليهودي "المهتدي” ولم يكن باشا هذا من النفوذ بحيث ينفرد بالرأي في المجلس، وضعت الكلمة التي تعسف في ترجمتها بابنجر كما هي من النص التركي يقول بابنجر بأن هذه الكلمة تعني السم، مع أنها في الحقيقة الدواء المقيء بمعنى الدواء الذي يفرغ المعدة مما بها من أكل وما شابهه.

كان بابنجر يقصد من هذا الادعاء أن يجر الرأي العام العالمي عامة والتركي خاصة إلى طرح مسألة موت الفاتح بالسم ومناقشتها ولما كان من المعروف تاريخياً أن السلطان محمد الفاتح جرياً على العادة التركية في ذلك الزمان قد أقام جامعة فوق مقبرة بيزنطية، فإن معنى تحليل وفاته أن يشمل ذلك حفراً سيجر بالتالي إلى عملية تنقيب التربة ويمتد الأمر إلى المقبرة البيزنطية القديمة وبالتالي سيتحول جامع السلطان محمد الفاتح بحكم قانون الآثار التركية إلى منطقة أثرية ومتحف وبالتالي كان لابد أن يغلق تماماً أمام المصلين وتمنع فيه الصلاة (لاحظ أن جامع صوفيا كان تحول بحكم القانون التركي إلى متحف ولم تعد تقام فيه الصلاة).

فطن المؤرخ التركي شهاب الدين تكين داغ إلى حملة بابنجر على الفاتح فقام هذا المؤرخ القدير أثناء احتدام مناقشة هذا الادعاء في الصحف والمجلات والندوات الثقافية التركية، قام بكتابة بحثه المشهور "قضية موت الفاتح” أشار فيه إلى أن بابنجر اعتمد في ادعائه هذا على عاشق باشا زاده وهو مؤرخ عثماني أتى بعد حادثة فتح القسطنطينية بواحد وثمانين عاماً، ولم يقل هذا شيئاً جديداً على المؤرخين السابقين عليه من الذين عاصروا الفتح من عثمانيين وأجانب، ولم يدع أحد من هؤلاء مثل هذا الادعاء وإنما اتفقوا على أن موت السلطان الفاتح كان نتيجة لإصابته بالنقرس، وهو المرض الذي أصاب كثيراً من سلاطين إلى عثمان على درجات متفاوتة كان آخرهم السلطان عبد الحميد الثاني.

ثم فند شهاب الدين تكين داغ تعسف بابنجر في ترجمة كلمة "شراب فارغ ودحضه من وجهتي نظر لغوية وتاريخية، ثم أثبت فشل زعم بابنجر في مسألة تسمم الفاتح وفضح نواياه.

كان لموقف شهاب الدين تكين داغ أثر حاسم في إيقاف الحملة العالمية والتركية المحلية على السلطان محمد الفاتح وعلى مؤامرة تحويل جامعه المشهور إلى منطقة أثرية ومتحف.

وكما لم ينس الغرب لصلاح الدين الأيوبي استرداده للقدس، فإن الغرب لم ينس أيضاً للفاتح فتحه القسطنطينية والقضاء على الدولة البيزنطية فما زال يوم 29 مايو من كل عام هو يوم حزن عند بعض رجال الدين الغربيين، وهو يوم فتح القسطنطينية.(مع الشكر لمجلة "العربي”)

(محمد حرب عبد الحميد)