شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ

تُبْذَل جهود في كل مكان لتحقيق الأهداف الإسلامية
13 اپریل, 2020
فيروس كورونا ذريعة للخطر في هذه الأيام
28 جون, 2020

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ

بسم الله الرحمن الرحيم وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ” [البقرة:185].

إن مدة شهر رمضان عملية تربوية وخيرية تزور المسلمين كل عام كخير عملية تربوية لهم، وتمنحهم بتأثيرها شخصية دينية تحمل خيرين للمسلمين، خير في تنشئتهم لحياتهم الدنيوية،وخير ديني لهم يربيهم على قوة الاحتمال لما لا يصعب العمل به إلا بسهولة، وهو تأخير وتقصير الطعام واحتمال الجوع والعطش،كما يتدرب الصائم على احتمال أخف ما يقع له من أمر شديد في هذه الحياة التي يمر منها الإنسان، وبهذا العمل يحصل الأجر على جزء حقير من مشقة المؤمن في حياة الدنيا كبيراً في حياة الآخرة،وأما في الحياة الدنيوية العامة إذا قام بمشقة مراراً وتكراراً فيجعل صاحبه قوياً.

فشهر رمضان بمثابة مخيم للتدريب على الخصائص الإيمانية،فيجد الصائم أن مواقيت الليل والنهار في شهر رمضان موزّعة على تدريبات مختلفة يتدرب بها على الرياضة الإيمانية، فأوقات لتناوله لما يجب أن يأكل ويشرب،وأوقات يشتد فيها الامتناع عما لا يسمح له فيها من اقتراف لما ترغب فيه نفسه وتنجذب إليه من فحش القول والغيبة والنميمة، وتناول أعراض الناس بالإيذاء والإساءة،وأوقات للاشتغال بالعبادة والذكر والتلاوة في مزيد من الأوقات من طرفي الليل.

يصبر الصائم على الجوع والعطش،وعلى الابتعاد عن رغبات وأهواء، ويحرم نفسه من مطالب جسده وهواه الطبيعية،وذلك طلباً لرضا ربه، فإنه يقضي نهاره لمدة شهر واحد في هذا الاجتناب والصبر، وهو بعمله هذا يؤدي دوراً مهماً ذا جانبين،جانب له صلة بربه،وجانب آخر له صلة بإخوانه من البشر،وكلا الجانبين يحملان أهمية كبيرة عند رب العالمين،أن يعبد الإنسان ربه،وأن يسدي إلى أصحاب الحاجة بالمعروف،أما الجانب الذي له صلة بربه فهو قيامه بالتحنُّث والعبادة رغماً مما في ذلك من عناء وتعب وانقطاع عما يحب من رغبات النفس،فإنه يقوم بذلك طلباً لرضا ربه وامتثالاً لأمره، وأما الجانب الذي له صلة بخلق الله فهو مشاركة الصائم مع المساكين والبائسين في حاجيات الحياة، فحاجة البائسين في مسكنتهم وبؤسهم المادي اضطرارية، فإن المساكين والبائسين هم مضطرون إلى ذلك لأسباب مادية، والصائم يحتمل ذلك ويصبر عليه باختيار منه، ومع هذه المشاركة يقوم الصائم بمساعدة هؤلاء البائسين من إخوانه وجيرانه، وبذلك تشيع في البيئة روح المودة والإخاء والودّ كما تتربى نفس الصائم على معاني الرحمة والشفقة على ضعفاء مجتمعه ومساكين عشيرته وبيئته.

فالصوم بذلك بمثابة مدرسة سنوية تتربى فيها أبناء الإسلام ويتخرجون منها كل سنة متزودين بمعاني الإنسانية والكرم، وعواطف الإسعاف والإغاثة، ومشاعر الطاعة والتوبة لله رب العالمين، ولذلك نجد أن الراغبين في تربية نفوسهم وتنشئة عواطفهم على المعاني الإنسانية من رحمة وتعاون وإخاء ومشاعر التعبد والتحنث لله، يستقبلون هذا الشهر بكل شوق وترحاب، ويقبلون فيه على الاستفادة من روحانيته وطلب رحمة الله ومغفرته،ويرجون من وراء ذلك ثواباً من عند الله تعالى، ذلك الثواب الذي وعده الله إياه لليوم الآخر، عندما لا يكون لدى الإنسان مال ولا وسيلة للحصول على مال، ويكون مجرداً خالياً من كل ما يحتاج الإنسان إلى امتلاكه، فلا يكون من المأمول له إلا ما قدّمه من حياته الدنيا لحياته الآخرة.

فأهلاً وسهلاً هذا الزائر السنوي الكريم ورجاء من الله أجره الكريم العظيم وصلى الله تعالى على عبده الرسول خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم

(محمد الرابع الحسني الندوي)