موقف مزدوج

الإسلام هو الحلُّ الوحيد لكلّ المعضلات
20 فروری, 2022
شهر رمضان موسم خير وبركة وارتياح للقلوب
16 اپریل, 2022

موقف مزدوج

الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي

إذا قورن التسامح الإنساني، والسلوك الحسن، والعفو والصفح للمسلمين في الحروب، بما وقع في الحروب التي جرت بين مختلف أتباع الأديان والحضارات؛ من ذبح وقتل للنفوس، وسفك وإراقة للدماء، وتدمير وهدم للبيوت،ودمار وفساد في الأرض، وإبادة وتصفية للجنس البشري، لظهر للعيون نموذج باهر وانقلاب عظيم لتعاليم الإسلام الرحيمة الداعية إلى كرامة الإنسان وصيانته، والصفح والعفو حتى عن الأعداء الألداء، فسِوَى الإسلامِ لم يتمكن دين أو شعب، أو مجتمع أو مؤسسة ساعية لإحلال الأمن حتى الآن، من إحداث انقلاب للأمن والسلام والحق والعدل، أحدثه الإسلام في الفترة الوجيزة بفضل تعاليمه ومواقفه المتسامحة العادلة، وكان هذا الانقلاب النادر انقلاباً مثالياً باهراً تلمس آثاره على النفوس، وتلاحظ بركاته وخيراته على القلوب إلى اليوم، رغم مرور قرون على إنشائه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، ويوصى إذا أرسل سرية إلى جهة: إذا لقيتم منكري الله لا تمثِّلوهم، أي لا تشوهوا أعضاءهم، ولا تخونوهم إذا عاهدتموهم، ولا تقتلوا النساء والأطفال والشيوخ .

فإذا استعرضنا تاريخ الأمم والشعوب التي تتهم الإسلام  بالإرهاب والعنف، لنجده مليئاً بالجرائم الوحشية والبربرية.

لم يقتل في المواجهات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه في ثماني سنوات أخيرة من مدة الدعوة الممتدة على 23 سنة إلا ألف نسمة من الطرفين،فلم يتجاوز عدد القتلى ألف قتيل من الطرفين،أَ يتَّهِم الغارقون في سفك دماء الإنسان، الإسلامَ بالظلم والإرهاب والعنف؟ وقد عاثت الدول الاستعمارية في الحرب العالمية الأولى (1914ـ 1918م)  والثانية (1938ـ1945م) في الأرض فسادًا، واستخدمت أسلحة جديدة أشد فتكًا، وأحدثت القوى العالمية الاستعمارية خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات؛ قدرت بأكثر من تريليونات ومليارات من الدولار، وأما ما مارسته أوروبا -قديمًا وحديثًا- من أعمال قتل وتدمير، وإهلاك وإرهاب، فلا يسع المقام ذكرها.

وما جرت الحروب الأوروبية لهدف إنساني أو لخدمة المظلومين، بل كانت كلها للقضاء على سيطرة دولة استعمارية على منطقة، وإحكام سيطرة دولة أخرى عليها، وأحدث مثال لذلك ما يقع في الحرب الروسية الأوكرانية من سفك للدماء وتدمير للممتلكات.

فإن أدعياء الحرية والجمهورية الذين يتهمون الإسلام بسفك الدماء،يقتلون مئات الآلاف من البشر في الحروب والغارات التي يقومون بها لتحقيق الأغراض الاستعمارية، وبالتالي ينشرون الدمار والاضطراب والفوضى والهلاك في الشعوب والبلدان.

ورغم كل ذلك يضخم الإعلام الغربي حادث مقتل أشخاص بأيدي مجهولة في جزء من أجزاء العالم الإسلامي، ويعرضه بشكل مخيف، كأنه وقع ظلم عظيم، مقابل قتل مئات الآلاف من الناس في أوروبا، وفي غارات أوربية على بلدان حرة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا وصفح حتى عن ألد أعدائه، وأمر أتباعه باختيار اللين والرحمة والرأفة والعفو والصفح، وقد عمل المسلمون بتعاليم نبيِّهم الكريم عبر العصور والدهور، وقد اعترف بذلك المنصفون من المؤرخين غير المسلمين أيضًا، وقد أسدل الإعلام الغربي حجباً كثيفة على ما جرى ويجري في أوربا من قتل النفوس، وسفك الدماء، وتدمير المنازل، واستعباد الشعوب، واستعمار البلدان، والإفساد في الأرض، هذا هو موقف مزدوج للإعلام الغربي.