لا عزة ….. إلاّ بالقرآن والتمسك بقيمه وتعاليمه

هنا صراطنا المستقيم
7 يناير, 2020
ذكرى الإسراء والمعراج
16 فبراير, 2020

لا عزة ….. إلاّ بالقرآن والتمسك بقيمه وتعاليمه

المسلمون الأوائل لم ينظروا إلى متاع الدنيا إلا كما وصفه القرآن “قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى” [النساء:77] فآثروا المحافظة على التقوى، فهابتهم الأمم وحاسبت لهم كل حساب، وبذلك أصبحوا في موضع التجلة والتقدير والمهابة من كل الشعوب والأمم، ولكن داء الأمم لحقهم أخيراً، فبدأوا يندمجون في الحياة الرخيصة، وبمدى اندماجهم في الحياة الرخيصة أثرت الأوضاع على نفوسهم، فأضعفت محافظتهم على منهجهم وقيمهم، فبدأت شوكتهم تهون في قلوب الناس، وأصابهم كل ما يصيب الأمم حينما تنتقل من مرحلة الانتصار والتقدُّم إلى مرحلة الانتفاع والترهُّل، وهناك بدأت قصة الصراع بين المحافظة على القيم والتهافت على الرغائب، فبمدى غلبة جانب من الجانبين تظهر النتائج وتأتي العواقب.

إن أحوال عز المسلمين ومجدهم في السابق غير قليلة فقد بلغت بطولاتهم إلى حد الإعجاز، ولا تزال إلى اليوم تزين صفحات تاريخهم وتظهر كمنارات للطريق، يهتدى بنورها من يهتدى ويستفيد بها من يستفيد، ولا يزال فيها شيء كثير من الموعظة والاعتبار، وهي أمثلة خالدة يعترف بعظمتها حتى أعداء الإسلام، ويخافون تكرُّرها من المسلمين ولا يخافون المسلمين عند تجرُّدهم منها، فاسم الإسلام والمسلمين لا يزال مهاباً وخالداً ولكن بشرط أن يقترن بالصفات الحقيقية.

أما اختيار منهج الانتفاع والعكوف على الرغائب فإنه يجر في عامة الأحوال إلى مجافاة القيم، أو عدم المحافظة عليها، لأنه يصعب جمع الجانبين واحتواء صفاتهما معاً، وإذا فقدت أمة قيمها أو ضعفت عن المحافظة عليها فإنها لا تقدر بعد ذلك على التماسك أمام الغزو المعادي فهي إما تندمج في أمة أخرى قوية فتعيش معها في مؤخرة الركب مهينة ذليلة، وإما تنسحب عن المضمار ويطغى على اسمها وذكرها النسيان.

فإننا بحاجة اليوم إلى التفكير في هذا الصراع المرير بين المحافظة على القيم وبين العكوف على الرغائب الذي يمر المسلمون اليوم من خلاله فإن هذا يحذر بأن لا يتغلب على المسلمين جانب الرغائب ويخرج من حياتهم جانب القيم، فإنه حينئذ ينالهم – لا قدر الله – ما ينال أي أمة تفقد قيمها وشخصيتها فتغيب عن المضمار ويطغى على اسمها النسيان.

(محمد الرابع الحسني الندوي)