ذكرى الإسراء والمعراج

لا عزة ….. إلاّ بالقرآن والتمسك بقيمه وتعاليمه
27 جنوری, 2020
بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ليقوم بالدعوة إلى توحيد الإله
5 مارچ, 2020

ذكرى الإسراء والمعراج

عندما يأتي شهر رجب من كل عام تلتفت أذهان المسلمين إلى ذكرى الإسراء والمعراج، وتلتفت أنظارهم إلى مسجد الصخرة الشريف والمسجد الأقصى، وربوع فلسطين الحبيبة التي انتزعتها أيدي اليهود الآثمة، بعد أن تولى المسلمون سدانتها وخدمتها مئات من الأعوام، فهم يحنون إليها وتنجذب قلوبهم إلى رحابها.

كان الإسراء اتصال الأرض بالسماء الذي حصلت به لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرصة اللقاء بالأنبياء السابقين، وقد قام بإمامتهم للصلاة، ثم كان معراجه إلى السماوات ومشاهدته للأحوال الآتية في حياة الآخرة وما سيحصل في الجنة، كان علمها عن طريق الوحي من السماء وآمن بها غيباً والآن علمها مشاهدة .

وقع مثل ذلك لبعض الأنبياء السابقين عندما أدوا فريضتهم النبوية وعانوا خلال ذلك الأذى واحتملوه بالصبر إلى الحد الأقصى كما جاء في قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ”.

فحينما يبلغ الصبر خلال تبليغ الدعوة إلى الحد الأقصى وبلغ حصول النصر إلى حد شديد ينعم الله تعالى على نبيه بمشاهدة ما سيكون بعين اليقين، وقد وقع ذلك لسيدنا إبراهيم عليه السلام عندما طلب من ربه أن يرى كيف يحيي الموتى فأراه الله تعالى ذلك بعين اليقين،وكذلك وقع عندما سأل نبي من الأنبياء عندما رأى قرية ميتة وقال: كيف يحيي الله تعالى هذه القرية، فأراه الله تعالى، وقد وقع مثله لأصحاب الكهف ووقع لسيدنا موسى عليه السلام فقد تجلى ربُّه قليلاً فاحترق الجبل وخرَّ موسى صعقاً.

فإن سيدنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بالدعوة بكل جدّ وصبر على الأذى، وسعى في ذلك عشر سنوات حتى بلغ به الأمر إلى أن يقع له القتل من أقاربه وجيرانه الذي  كان يحول دون ذلك دفاع عمِّه عنه، و ملاطفة زوجته الكريمة له، عندما يبلغ إلى قريب من اليأس، وتوفي كلاهما في السنة العاشرة فبلغ به الأمر إلى مقربة من اليأس، فذهب إلى مدينة الطائف التي كانت تعادل مكة في الأهمية والقوة، وأراد من رؤسائها أن يقبل دعوته أحدهم مواساة له، ولكنهم عاملوه أشد معاملة وجرحت قدماه بقذف الحجارة من أوباش الطائف، فدعا الله دعوة مخلصة ومؤثرة متصفة بإيمان كامل و عبودية كاملة فقال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربِّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك، الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.

فجاء النصر من الله بطمأنينة وتنفيس كربته أولاً بدخول أمة الجن في الإسلام على يديه فأصبحت نبوته  للمخلوقين، ثم جاءته نعمة الإسراء ليطمأن على ما ينظره من نتيجة كل هذه الجهود والصبر في تبليغ الرسالة إلى الناس، فصار له الغيب الذي كان يحصل له سماعه بالأذن،أمراً مشاهداً بالعين،كما رأى مكانته في نعيم الجنة من خارجها،لأن دخوله فيها كان يقع بعد دخوله في الحياة الآخرة، ولكن حصل له علم ذلك بعين اليقين.

فإن ذكرى الإسراء والمعراج تنفع في معرفة أن الله تعالى لا يضيع أجر المؤمنين، وكذلك أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، فيخرج من إطار أعدائه في مكة المكرمة إلى أنصاره في المدينة المنورة.

(محمد الرابع الحسني الندوي)