أمم الشرق اليوم قد أصبحت غير معتنية

"الرائد” تتم الحادي والستين من عمرها
30 جولائی, 2020

أمم الشرق اليوم قد أصبحت غير معتنية

مما يبعث على الأسف والأسى هو أن أمم الشرق اليوم، قد أصبحت غير معتنية بجانب المعنوية المهم من حياتها، فلا تقبل على الاقتباس والتقليد إلا فيما يخص المظاهر وألوان المتعة والزخرف من حياة الأقوياء .

أما جد الأقوياء وصرامتهم و اعتمادهم على استغلال العلوم المادية فيما ينفعهم ويعود عليهم بالقوة، وإن إخضاعهم للحياة لما تتقاضاه أهدافهم وغاياتهم، فذلك هو الذي نرى الأمم الشرقية مغمضة أعينها عنه، أو متكاسلة عن الأخذ والاقتباس منه، مكتفية بالقشور الثقافية، والمظاهر الحضارية وحدها من حياتهم، مع أن الأمم الشرقية ليست فقيرة في جوانب حياتهم الثقافية، والأدبية والفكرية، فقد ورثت من قيمها ومن تاريخها الماضي بقدر ما تغنيها عن اقتباس غيرها من غيرها، وليست القيم ما تستعار، أو تستبدل سريعاً .

إن أمم الشرق وخاصة الإسلامية منها لتفتقر إلى الأخذ بأسباب القوة المعنوية التي تمتعت بها قديماً، ويجوز لها معها أن تستفيد أيضاً بتجارب الأمم القوية المعاصرة فيما يتفق مع طبيعة حياتهم وتاريخها، "الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها”.(جامع الترمذي ، كتاب العلم ، رقم : 2687 ، وابن ماجه ، الزهد ، رقم : 4169)

إننا متخلفون عن الغرب في التقدم العلمي والتكنولوجي،  ولكن مصدر هذا التخلف هي غفلتنا عن العكوف على العلم، وعن استغلاله لصالح الحياه، ونحن متخلفون عن الغرب في العزة السياسية، والعظمة الحكومية، ولكن ذلك يرجع إلى ضعف الجانب المعنوي من حياتنا، فما دمنا لا نتشبث بالإخلاص والجد والكفاح، وما دمنا لا نحفظ كرامتنا وشرفنا من الابتذال، وما دمنا لا نكرم أنفسنا بأنفسنا بحيث نعد ما يخصنا من مثل الحياة وخصائصها أسمى وأشرف مما يخص غيرنا، نعلم أن ليس نقصنا إلا الجد، والاهتمام، فما دمنا لا نخضع حياتنا لكل هذه الحقائق، فلا يمكن الوصول إلى ما نحن أحوج إليه في حياتنا المعاصرة من شرف وقوة وازدهار، هذه الحياة اللاهية الطائشة، التي يعيشها المسلمون في كل مكان مع شدة حاجتهم إلى الجد والصرامة، وخاصة بعد الهزائم المتكررة ولحوق العار، وهذا الانصهار الثقافي والفكري من قادتهم في قوالب الحياة الأوربية الملحدة الماجنة مع وجود الاختلاف الظاهر الشديد بين ثقافتهم الشريفة، وثقافة الغرب المرتجلة، إنما هما خطران على مستقبل  الأمة الإسلامية، وهما لن يكونا إلا ذريعة إلى سقوط الشعوب الإسلامية التدريجي أمام غيرها من الأمم القوية، ثم الفناء الأخير، إذا لم يبذل القادة والزعماء جهودهم لإنقاذ الأمة من كل أوحال حياتها، ومن حبائل أعدائها كذلك.

(محمد الرابع الحسني الندوي)