الفكر نور

الأسوة الحسنة
12 نومبر, 2020

الفكر نور

أخي العزيز

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لو سئلت – أيها الأخ – عن شخص أو عن شيئ، فلا تعجل في الإجابة عنه، ولا تبد رأيك فيه إلا بعد ما عرفته عن كثب، وخبرت مواقفه بصورة جلية، ولا تقل عنه ما يتردد على الألسنة، ويحيك في نفسك، ما لم تطمئن نفسك إليه،وخاصة إذا كان السؤال عما يتصل بعقيدته وآرائه واتجاهاته الفكرية فتزداد أهمية التثبت مما تقوله،وتتضاعف المسؤلية ويتفاقم الخطر.

لأن علم الإنسان – أيها الأخ – قليل محدود،ومداركه قاصرة معدودة، فربما ينساق الإنسان إلى اتخاذ رأي يوافق مرضاه، وفكرة تتبناها طبيعته دون أدنى روية وإعمال فكر، ويندفع إلى نشر ما يستسيغه عقله وتهواه نفسه، من غير أن يضع تلك الفكرة على محك النقد والتمحيص، أو يقوم بتمييز ما هي عليه من الجوانب الصحيحة والسقيمة، بينما إذا اتخذ سبيل الغربلة تبين له الرشد من الغي، ولو سلك مسلك التمحيص لاتضح له وجه الحقيقة ساطعاً كسطوع الشمس في شبيبة نهارها، ولعلم أن الفكرة التي استقرت في قلبه لا صلة لها بالواقع، وليس لها وجود في خارج نفسه وإنما هي حلم يراه النائم في منامه ويتأثر به وإذا استيقظ من نومه واكتحل باليقظة، تتناثر لحمة خياله وسداه، وتتمزق أمامه وشائج أحلامه واحدة تلو أخرى، وتنفك عراها وينفصم كل ما كان قبلُ مجتمعا شاملا، ويزول ما علق بخاطره واستقر في فؤاده، ووجد أنه على الخطأ وغيره على الصواب، فيندم حيث لا تنفعه الندامة، ويخجل على الاستعجال الذي بدر منه، ولكن بدون جدوى.

لذايقتضي الحق دائما أن يكون صاحبه أقرب إلى الجد والصرامة، وأبعد من الاستعجال والتهور، وأن يكون ميالا إلى الواقعية، لايسير إلى حيث يسير إليه أبناء عصره، ولا يستجيب لدعوة إلا بعد تمعن وإعمال فكر. ولا يخضع لفكرة قديمة وجديدة ولو رضي بها السلف والخلف إلا إذا كانت وراءها أدلة صارمة.

فأكد القرآن الكريم على التدبر وحث الإنسان على استخدام المواهب العقلية في غربلة الأفكار وتمحيص النظريات، ثم إذا أسفرهذا التدبر عن وجه الحق، وانجلى البصر، وتمكن هو من رؤية الحقيقة بأم عينيه، قال قولا رآه صوابا وثابتا، وتبنى فكرة حسبها مستقيمة في ميزان التحقيق، وادعى دعوى صادقة وجدها نافعة مجدية في ضوء العقل والشريعة معا، وها هو هدي القرآن ومقتضى الفطرة السليمة. يقول القرآن الكريم وهو يحث على التدبر: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها.

فلا تكن – أيها الأخ – ممن استهواه الاستعجال والتهور، فأصبح متعاميا عن حقائق المعارف التي هي للإنسان، بل اجعل قلبك واعيا، وعينك مفتوحة، وأذنك صاغية، واستخدم قواك العقلية في ما تقرأ وتسمع، ولا تكن بمعزل عن نيل ما يناله الإنسان السعيد في إنسانيته،لأن كل سعادة منوطة باستعمال قواك العقلية والفكرية، ومربوطة بجدك واجتهادك في التعقل والتدبر، ومقارنة العلم بالعمل، واستقامة الفكر، وإصابة العلم وخلوصه من شوائب الأوهام لأن الفكر نور يدخل قلبك ويزيد في يقينك.

وما أحسن ما قاله الشاعر:

إذا المرأ كانت له فكرة

ففي كل شيئ له عبرة

 

 

محمد خالد الباندوي الندوي