من الصراع إلى اللقاء ومن الجدال إلى التواصل

جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا
11 سبتمبر, 2018
دور الصحابة رضي الله عنهم في نشر الإسلام وتقديم نماذج حية لتربية الرسول صلى الله عليه وسلم
17 أكتوبر, 2018

من الصراع إلى اللقاء ومن الجدال إلى التواصل

إن الصراع بين المجتمع المثقف بالثقافة الغربية والمجتمع الذي يقوم على ما يسمى بالثقافة والمثل الشرقية، معروف ومشاهد، وهو طبيعي؛ لأن طبيعة الإنسان المحاكاة والتقليد، فهو يقلد من هو أفضل منه، أو أقوى منه، أو من يملك وسائل النفع والقوة،وقد كتب ابن خلدون أن طبيعة الإنسان أن المغلوب يقلد الغالب، وقد حدث ذلك في العصر الحديث عصر غلبة أوربا بعد انفكاك الوحدة الإسلامية والقوة الإسلامية التي كانت غالبة ألف سنة في سائر مجالات الحياة.

وقد وضعت في العصر الحديث عصر غلبة الدول الغربية نظم تعليم وثقافة، قامت بتطوير سائر مجالات الحياة،وأنشئت مدارس من قِبَل المحافظين على النظام التعليمي الذي يمثل الثقافة الإسلامية،ويرجع هذا الصراع إلى ما وصفه الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي بالثنوية في نظام التعليم والتربية، ويمثلها أصحاب النشأة في مجتمع ثقافي خاص يختلف عن الناشئين في البيئة المحافظة،ولهم منهج في التعامل والسلوك، وبهذا الاعتبار يختلف أسلوب الحياة والتعبير، ولذلك يعيش المسلم اليوم بين بيئتين مختلفتين.

وقد بذلت جهود من قبل بعض المفكرين للجمع بين البيئتين بوضع نظام للتعليم والتربية يجمع بين محاسن النظامين،ولا تزال تبذل هذه الجهود، وقد نشأت عدة مؤسسات تعليمية قامت بالجمع بين النظامين، ولكن هذه الجهود لا تزال في مرحلة بدائية أو في مرحلة التجربة، وفي هذا الصدد يجب أن يلاحظ ما هو الأليق الذي يجب أن يختاره المعارضون لهذه الإجراءات أو الموقف، وقد جربنا في الماضي في مصر وسوريا والعراق من إجراءات لقمع الأصوات،وتكميم الأفواه وتصفية وجود العلماء المخلصين المعارضين لسياسة الحكام كما وقع في عدد من البلدان الإسلامية .

وبجانب العلوم والأفكار الموجهة من النظامين المختلفين، تهمّ مسألة الخطاب،أو عرض الأفكار، ومعالجة القضايا، وخاصة ما يتعلق بالحضارة الغربية، وقد نشأت مكتبة في الفكر الإسلامي في العصر الحديث،وظهر مفكرون في كلا المجالين، فالدارسون في المراكز القديمة يتناولون القضايا العصرية، والدارسون في مراكز التربية الغربية يتناولون القضايا الإسلامية أوقضايا المجتمع الإسلامي .

وقد تأثر الناشئون في البيئة الغربية للنظام التعليمي الغربي بكتابات المستشرقين وعلماء الغرب في النهضة، ولا تزال تبرز آثارها في محاولات الإساءة إلى ذات الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كانت صفته الغالبة اللين والرفق والحلم والأناة والعفو والنصح وكان أسلوبه حتى مع رجال البادية أسلوباً ناصحاً يلين القلوب، وكان على خلق عظيم، فيقدمه المترجمون لسيرته في الغرب والناشئون في البيئة الغربية بصورة العنف والتعصب؛ بل الحرب التي تتنافى مع السيرة النبوية، وكذلك التاريخ الإسلامي يتعرض للهجوم والتشويه،والذين يطالعون هذه الكتب سواء كانوا في البيئة الإسلامية،تنشأ فيهم الشكوك والشبهات، وسوء الظن بالحكم ورجاله، وينشأ في قلوبهم شعور بتفوق النظام الغربي وصلاحيته.

وإلى هذه الطبقة ينتمي رجال الحكم والسياسة في البلدان الإسلامية، فيوجد الصراع بينهم وبين المنتمين إلى الطبقة المحافظة.

إن الحكام المعاصرين يخضعون في نظام الحكم للتوجيهات والتعليمات الصادرة من المفكرين والقادة في الغرب الذي يملك سائر وسائل التأثير من الإعانة المالية أو الخبرة الفنية والصناعية ووسائل الدفاع، وتؤدي هذه الإجراءات التي يتخذها هؤلاء الحكام أو الساسة إلى رد فعل في الأوساط المحافظة،وتثير السخط والغضب وهو أمر طبيعي، ويؤدي هذا الوضع إلى الصراع في الدول الإسلامية والمجتمعات الإسلامية.

والملاحظ للخطاب والمنهج في كلا المجالين في معالجة الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجد اختلافاً فكرياً وعملياً بسبب نشأة المسئولين عن هذه الإجراءات في البئتين المختلفتين،ولذلك يوجد صراع بين الطبقتين، ويقتضي هذا الوضع بذل جهود للتوفيق بين الموقفين، وذلك من طريق إجراء الاتصالات بين الجانبين، وتستهدف الأمة الإسلامية في العصر الحديث ولا تزال تواجه ظروفاً قاسية، ولا يوجد أي مؤشر للخروج من هذا المأزق الذي وقعت فيه، وهو الصراع بل الحرب بين المسئولين عن الحكم والدعاة والمصلحين والعاملين للإسلام،وبين الحكام والشعب،فيحتاج الوضع إلى إيجاد جسر بين الطبقين لتجنُّب الصراع القائم في البلدان الإسلامية.

إن مسألة الخروج من هذا المأزق مهمة يجب أن يفكر فيها المفكرون ويبحثوا فيه في ضوء هذه الآيات الكريمة “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ” [النحل:125-128]. و”ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” [فصلت:34-35].

ففي الظروف الراهنة يجب على الدعاة إلى الإسلام أو الصلاح والمسئولين عن عمل التوجيه والإرشاد أن يفكروا في هذا المضمار في ضوء التجربة، وكذلك لا بدّ أن يُدرس أسلوب الدعوة الذي ذكره القرآن وسيرة رسول صلى الله عليه وسلم والدعاة في العهد السابق الذي كان فيه ملوك وجبابرة وحكام معتدون، وفي التاريخ أمثلة للمفكرين والدعاة الذين بذلوا جهودهم لتحويل الصراع بين الحكام السياسيين والمصلحين والدعاة لإقامة اتصالات للتوسط والتواصل بين الجانبين، واختاروا منهج النصح والتوجيه بدل الصراع والصدام، وقاموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنصح ورفق ولين،فأثر أسلوبهم الناصح اللين على المخاطبين تأثيراً حسناً وعميقاً وقد أتت جهودهم بنتائج مرجوة.

إن الوضع يحتم علينا أن نغير الخطاب من الهجوم إلى النصح والخير، ونختار أسلوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونعيد الثقة في نفوس الطبقة المثقفة، ومن بيدهم القيادة الفكرية والتربوية والإعلامية في البلاد والحكومات الإسلامية بصلاحية الإسلام وقدرته؛ لا على مسايرة العصر وتطوراته وتحقيق مطالبه، بل على قيادة الركب البشري إلى الغاية المثلى، وتجديف سفينة الحياة إلى برّ السلام والسعادة، وبهذه المناسبة يحلو لي أن أنقل ما قاله الشيخ أبو الحسن الندوي في إحدى خطاباته التي ألقاها في العالم العربي:

” ليس خطب الدعوة الدينية والتجديد الإسلامي بهيِّن، فليست رسالتها ومهمّتها قلب نظام فقط، أو تغيير وضع سياسي بوضع سياسي آخر، ونظام اقتصادي بنظام اقتصادي آخر، ولا نشر الثقافة والعلم، ومكافحة الأمية، والجهل،أو معالجة البطالة والتعطل، أو معالجة عيوب اجتماعية أو خلقية، إلى غير ذلك مما يقوم له الدعاة والمصلحون في أوروبا، وفي الشرق، وإنما هي دعوة الإسلام التي تشمل العقيدة، والأخلاق، والأعمال، والسياسة ، والعبادة، والسلوك الفردي والاجتماعي، وتتناول العقل، والقلب، والروح، والجسم، وتعتمد على تغيير عميق في القلب، والنفسية، والعقيدة، والعقلية، وتنبع من القلب، قبل أن تنبع من قلم، أو صحيفة كتاب، أو منصة خطاب، وتنفذ على جسم الداعي وحياته قبل أن يطالب بتنفيذها على المجتمع ”

محمد واضح رشيد الحسني الندوي